تحالفات دولية للقضاء على “الخلايا النائمة الإيرانية في سوريا”!

تحالفات دولية للقضاء على “الخلايا النائمة الإيرانية في سوريا”
تحالفات دولية للقضاء على “الخلايا النائمة الإيرانية في سوريا”

بينما كان العالم مشغولا بالحرب على “داعش” والحرب الأهلية في سوريا، كانت إيران تعمل على بناء دولة داخل الحدود السورية من خلال ما يعرف بـ “الخلايا النائمة الإيرانية في سوريا”، مستغلة تغلغلها داخل الهياكل العسكرية السيادية والسيطرة على المناطق الحدودية التي ساعدتها على حرية الحركة وتشكيل خلايا سرية منظمة تعمل وفقا للأوامر الإيرانية.

التحالف الثلاثي

وفقا لمعلومات من داخل “الإطار الشيعي”، تفيد بأن واشنطن ومجموعة دول غربية ترعى محادثات سرية عراقية سورية لبنانية لمواجهة بقايا النفوذ الإيراني داخل الأراضي السورية. وأشارت المعلومات إلى نجاح مساعي ثلاث دول في “التحالف الدولي”، وهي الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، في عقد أول اجتماع ثلاثي ضم قنوات استخباراتية من العراق وسوريا ولبنان.

مدير المخابرات العراقي، حميد الشطري، خلال زيارته إلى دمشق – انترنت

وبحسب المصادر، كان الهدف من هذه المحادثات السرية بلورة تعاون أمني ثلاثي عراقي سوري لبناني موجهة بالتحديد إلى مكافحة ما سمته معلومات الإطار “خلايا نائمة للحرس الثوري الإيراني” و”حزب الله اللبناني” داخل الأراضي السورية. فقد اعتبرت دول التحالف الثلاث “أميركا وفرنسا وبريطانيا” أن تعاون بيروت وبغداد أمنيا مع دمشق أصبح ضروريا لجهود الحكومة السورية.

وتتزامن هذه اللقاءات والمحادثات السرية مع معلومات تؤكد أن الإيرانيين يعيدون تموضع نشاطهم مجددا داخل سوريا، بتنسيق مع الفصائل العراقية و”حزب الله اللبناني”. وبالتالي، فإن التعاون الأمني الثلاثي العراقي السوري اللبناني، وفقا للرؤية الغربية، سيكون مفيدا لمكافحة التحرك الإيراني في سوريا.

وذكر مصدر في “الإطار الشيعي” أن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني يتعرض لضغوط أميركية غير مسبوقة لدعم نظام الرئيس السوري أحمد الشرع، والانخراط أكثر في تعاون ثلاثي عراقي سوري لبناني لتعزيز الأمن في سوريا.

ويعلق رشيد حوراني الباحث في “مركز جسور”، في حديثه مع “الحل نت”، قائلا: “بالنسبة للاجتماع الثلاثي العراق وسوريا ولبنان أنا لا أستبعده، لأن المجريات على أرض الواقع والتطورات تدل على ذلك. فمثلا، رئيس المخابرات العراقية زار سوريا مرتين، وكان أحد البنود التي ناقشها مع الحكومة السورية هو وضع الميليشيات الإيرانية وإمكانية تأثيرها على طرفي الحدود، وإعادة شبكات إيرانية ترتبط بالحرس الثوري الإيراني تعمل على خلق الاضطرابات الأمنية في سوريا. هذا من جانب. ومن جانب آخر، ترعى المملكة العربية السعودية التنسيق بين الحكومة السورية والحكومة اللبنانية لضبط الحدود، لأن الرياض تدعم الحكومتين”. 

ولكن “حزب الله” منذ تدخله في سوريا عام 2012 وحتى سقوط النظام السوري، ومع معرفته بجغرافيا وديموغرافيا المنطقة، إضافة إلى وجود الشبكات والعملاء له، يحاول إعادة بناء شبكاته على طرفي الحدود، وخاصة منطقة حمص والقصير والساحل السوري، التي تنتشر في الجهة المقابلة من الدولة اللبنانية مناطق البقاع والهرمل، وهي مناطق معسكرات “حزب الله”. لذلك فإن هذا التحالف إن لم يكن معلنا عنه حتى الآن، فإن صورته ومؤشراته موجودة.

الخلايا النائمة تهدد الاتفاق الأمني

في مطلع الشهر الجاري أعلن “جيش الدفاع الإسرائيلي” عن اعتقال خلايا إرهابية مشتبه بها تعمل لصالح “الحرس الثوري الإيراني” في سوريا.

الجيش الإسرائيلي يتوغل في القنيطرة – انترنت

وصرح “الجيش الإسرائيلي” أن عملاء الخلية تلقوا توجيهات من وحدة سرية تابعة لقوة “القدس” النخبوية لمهاجمة “إسرائيل”، ولم يكن جميعهم يعرفون لصالح من يعملون.

وقال “جيش الدفاع الإسرائيلي” إن عددا من المشتبه بهم الذين اعتقلتهم القوات الإسرائيلية في جنوب سوريا خلال الأشهر الأخيرة كانوا أعضاء في خلايا إرهابية ويعملون لصالح “الوحدة 840” الإيرانية، وهي وحدة سرية داخل فيلق “القدس” التابع لـ”الحرس الثوري الإسلامي”.

وأضاف “جيش الدفاع الإسرائيلي” أن أعضاء الخلايا الإرهابية الذين تم القبض عليهم في سلسلة المداهمات الأخيرة تلقوا توجيهات من “الوحدة 840” لتنفيذ هجمات ضد “إسرائيل”.

وقال “جيش الدفاع الإسرائيلي” إنه تم اعتقال عنصرين ميدانيين من “الوحدة 840” في سوريا خلال شهري (آذار/مارس) و(نيسان/أبريل)، وهما “زيدان الطويل” و”محمد الكوريان”.

ومن وجهة نظر سورية تمثل هذه الخلايا السرية الإيرانية تهديدا مباشرا لأي اتفاق أمني بين سوريا و”إسرائيل”، لأن المطلب الأمني هنا أساسي بالنسبة لـ”إسرائيل”.

وتعتبر “إسرائيل” التموضع العسكري الإيراني، وبناء قواعد متقدمة، ونشر الميليشيات (بما في ذلك “الخلايا النائمة”) التي يمكن استخدامها لشن هجمات أو تهريب أسلحة متقدمة إلى “حزب الله”، تهديدا وجوديا لأمنها القومي.

فالهدف الرئيسي المعلن لـ”إسرائيل” من عملياتها العسكرية المتكررة في سوريا هو منع ترسيخ إيران ووكلائها في الجبهة الشمالية.

فإن أي اتفاق أمني أو اتفاق لخفض التصعيد بين “إسرائيل” وسوريا يكون مطلب “تل أبيب” الرئيسي فيه تجريد المنطقة الحدودية من أي وجود إيراني أو تابع لإيران، وسحب الأسلحة الثقيلة، وهو ما يعرف بـ”المقايضة الأمنية”، أي القضاء الكامل على الخلايا النائمة الإيرانية في مقابل وقف ضرباتها الجوية على الأراضي السورية وتقديم دعم محتمل لرفع العقوبات عن سوريا.

الخلايا الإيرانية في دمشق

في (نيسان/أبريل) الفائت كشفت مجلة “المجلة” عن وجود تواصل مستمر بين بعض الميليشيات الإيرانية التي انتقلت إلى العراق بعد سقوط نظام الأسد، وبين عناصر تلك الميليشيات الذين بقوا في سوريا. هذا التواصل يهدف إلى إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة بين الطرفين وتحضير خلايا نائمة داخل سوريا للتحرك عند الحاجة.

مدرعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي في القنيطرة جنوب سوريا - إنترنت
مدرعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي في القنيطرة جنوب سوريا – إنترنت

وبحسب تقرير “المجلة”، تعمل الميليشيات الإيرانية على تهريب عناصرها عبر معابر ترابية إلى مناطق قريبة من مدينة “القائم” العراقية، ما يرجح استخدام هؤلاء العناصر لاحقا في سوريا أو في مناطق جغرافية أخرى قد تشهد عمليات متجددة.

ويُعتقد أن هذا النشاط يمثل جزءا من مسعى إيراني مستمر للحفاظ على نفوذها العسكري في المنطقة، رغم تراجع سيطرتها المباشرة في العديد من المناطق السورية. ورغم الانهيار الجزئي في نفوذ الميليشيات الإيرانية بعد العديد من الهزائم في سوريا، فإن هذه الفصائل لا تزال تسعى للحفاظ على قوتها في المنطقة الحدودية بين سوريا والعراق.

وتشير الصحيفة إلى أن إيران تواصل إرسال الأموال إلى بعض العناصر السورية في المناطق الحدودية مع العراق، وذلك بهدف إبقاء هؤلاء العناصر في حالة تأهب لأي تحركات أو عمليات قد تُنفذ مستقبلا.

في سياق ذاته، ذكرت “المجلة” أن قذائف أطلقت من ميليشيا “حزب الله” نحو الأراضي السورية كانت تهدف إلى تشتيت انتباه قوات الأمن السورية وأجهزة الحدود، وذلك في وقت كانت فيه عملية تهريب غير قانونية تُنفذ على الحدود السورية-اللبنانية. وكان التهريب يتضمن نقل أسلحة من الأراضي السورية إلى الأراضي اللبنانية لصالح “حزب الله”، وقد تم تنسيق هذه العملية بين ميليشيات “حزب الله” وفلول النظام السوري والمهربين اللبنانيين، مما يشير إلى استمرارية العمليات التي تستهدف تقوية الجبهة الإيرانية في المنطقة.

ويؤكد برودريك ماكدونالد، الزميل المشارك في برنامج أبحاث “XCEPT” في “كلية كينجز كوليدج لندن”، والذي يدرس الصراعات في الشرق الأوسط: “بينما يناقش الأمر غالبا بلغة مثيرة، يرجح أن إيران تحتفظ بخلايا سرية صغيرة داخل الولايات المتحدة ودول أخرى”. وأضاف: “لطالما استخدمت إيران ووكلاؤها، مثل حزب الله، خلايا سرية صغيرة على مدى عقود لتنفيذ اغتيالات واستهداف معارضين والتعاون مع شبكات إجرامية”.

لقد عمل “حزب الله”، الذي تراجعت قوته إلى حد كبير منذ الغزو الإسرائيلي للبنان في العام الماضي، جنبا إلى جنب مع “الحرس الثوري الإيراني” لسنوات، بما في ذلك تقديم عملائه للعمل لصالح طهران. وتابع ماكدونالد: إن “ما يسمى بالخلايا النائمة يشكل أصولا ثمينة لأي دولة لجمع المعلومات الاستخباراتية وتنفيذ الاغتيالات المستهدفة وتنفيذ ضربات استراتيجية على البنية التحتية العسكرية أثناء الأزمات”.

الخلايا النائمة وإعادة التوازن

يرى حوراني أن وجود الخلايا الإيرانية في سوريا ليس إلا تعبيرا حقيقيا عن رغبة “إيران” في عدم التخلي عن نفوذها القديم داخل سوريا. ولهذا اعتمدت إيران لتحقيق هذه الرغبة على طريقين: الأول دبلوماسي، يتمثل في إعادة فتح سفارتها في سوريا وإقامة الحد الأدنى من العلاقات بعد خمسين يوما من سقوط نظام بشار الأسد، عبر دولة عربية قطر للتوسط بين إيران والحكومة السورية الجديدة لإعادة فتح السفارة الإيرانية في دمشق، وتعمل حاليا على تحقيق الهدف نفسه عبر تركيا.

والطريق الآخر يتم من خلال الخلايا السرية الخاصة بـ”الحرس الثوري الإيراني” التي ما زالت موجودة داخل الأراضي السورية.

ويضيف حوراني أن خطورة الخلايا السرية تأتي من كونها تندمج وتصبح مع الوقت جزءا من النسيج الاجتماعي، مما يصعب التعرف عليها.

ومع ذلك، تم إحباط 13 محاولة تهريب شحنات أسلحة إلى لبنان في الأسابيع الماضية. كما يعمل “حزب الله” لتحقيق التكامل مع المساعي الإيرانية على إعادة تفعيل طرق تهريب المخدرات. وتستغل إيران تغلغلها في الأوساط العراقية العسكرية والسياسية لتمرير مساعداتها عبر العراق وصولا إلى معبر “القائم”، ومنه إلى “حزب الله” في لبنان. والمساعدات الواردة من إيران عبر العراق تنحصر في الشحنات المالية فقط، بمبالغ كبيرة جدا.

الشبكات الإيرانية غير مرتبطة ببعضها بعضا، وهي تتألف من فلول النظام، وعناصر “داعش”، ومجندين محليين في ميليشياتها سابقا، ولهم خبرة جيدة في التهريب وطرقه في مناطق تحركهم.

تستفيد إيران و”حزب الله” من معرفتهما بالواقع السوري جغرافيا وبشريا. حتى إن تركيا تسعى إلى تصحيح العلاقة الإيرانية مع سوريا للاستفادة من خبرتها بالساحة السورية واختراقها من خلال العمل معها في سوريا، ويدل على ذلك نشاط تحركها في منطقتين: الحدود السورية-اللبنانية والساحل السوري، والحدود السورية-العراقية.

كما تستفيد إيران من عملائها المحليين في المناطق المستهدفة، وإعادة الارتباط بهم في ظل عدم وجود تحسن ملموس على الواقع المعيشي في سوريا.

وإذا كانت إيران تبحث عن نفوذها الضائع في سوريا من خلال الشبكات السرية، فإن روسيا لا ترفض هذه الشبكات الإيرانية، وترى فيها نوعا من ضبط توازن القوى داخل سوريا. فقد كانت روسيا راضية ضمنيا عن الضربات التي تشنها إسرائيل على القادة والمواقع الإيرانية في سوريا، طالما أن هذه الضربات لا تؤدي إلى توسع الصراع وتهديد المكاسب الروسية. 

ويُنظر إلى هذا على أنه جزء من محاولة روسية لضبط النفوذ الإيراني وتقييد حركته، خاصة في المناطق القريبة من إسرائيل (الجنوب السوري)، وذلك لتلبية التفاهمات الروسية-الإسرائيلية. وفي الوقت ذاته لا تمثل الشبكات الإيرانية، بعد انحسار الوجود الإيراني في سوريا، مشكلة بالنسبة لروسيا ما دامت لا تؤثر على المصالح الروسية في سوريا. فـ”الخلايا الإيرانية النائمة” جزء من النفوذ الإيراني الذي تتعامل معه روسيا بمزيج من التسامح الضروري والعمل على تقليص نفوذه في مناطق التنافس أو الحساسية الجيوسياسية.

وعليه، يمكن لسوريا الاستفادة من التحالف الثلاثي برعاية دولية في القضاء على الخلايا الإيرانية النائمة، لأن هذه المحادثات توفر أدوات الضغط والدعم التي تحتاجها دمشق لإنهاء النفوذ الإيراني. يمكن لسوريا أن تطلب من لبنان التزاما صارما بضبط الحدود، لمنع أي تسلل أو إمداد لوجستي أو مالي أو عسكري من “حزب الله” (الذراع الرئيسية لإيران) إلى الخلايا النائمة في سوريا.

وأيضا تستطيع دمشق (بدعم غربي) الضغط على الحكومة العراقية لمراقبة وإغلاق الممر البري الحيوي (المعروف بـ”الهلال الشيعي”) الذي يربط طهران بـدمشق وبيروت. ومنع تدفق المقاتلين والسلاح والتمويل عبر الحدود العراقية-السورية يقطع شريان حياة هذه الخلايا، ويجعل استمرار وجودها مستحيلا.

فادية سمير

فادية سمير

أكاديمية وكاتبة مصرية حاصلة على دكتوراه في الفلسفة السياسية

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم