الذكرى الأولى لشن حركة “حماس” هجماتها على إسرائيل على نحو مباغت، ويصادف السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، حصدت نتائج عديدة وتنذر بمستقبل جديد ومتغير في ظل واقع سياسي وعسكري محتدم، لا يحمل أي استقرار. فقبل هذا التاريخ كان العالم يعاني من تبعات الغزو الروسي لأوكرانيا، حيث المتغيرات الاقتصادية العنيفة ونقص إمدادات وموارد رئيسية في السلع الاستراتيجية، كالقمح والنفط، فضلا عن خريطة تحالفات جديدة نتيجة الاستقطاب العالمي بين روسيا من جهة، والغرب والولايات المتحدة من جهة أخرى.
وما بين حرب غزة وقبلها الحرب بكييف، ثمة عدة مشتركات أبرزها، الانعكاسات الحادة في الشرق الأوسط، وتهديد الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي، ناهيك عن بروز دور إيران ضمن دائرة تحالفات جديدة، لا سيما في ظل دعمها العسكري مرة لروسيا وتحالفها الاستراتيجي الذي ظهر بالمسيّرات الإيرانية في أجواء وسماء أوكرانيا، وضلوعها في تسيير الميلشيات مرة أخرى، بسوريا والعراق واليمن ولبنان كما “حماس” بغزة وإخوان الأردن داخل أجندتها.
المنطقة تشهد معادلات سياسية وإقليمية جديدة، مع التغييرات في موازين القوى وقد انخفضت مستويات الردع التي احتفظت بها طهران لسنوات وعلى مدار العقد الماضي من خلال ميلشياتها في اليمن وسوريا ولبنان والعراق.
لذا، أثرت الحرب في غزة والممتدة لنحو 12 شهرا على جوانب عديدة، تتجاوز غزة إلى دول الإقليم، حيث كان انعكاس الدور السلبي لميلشيات “الحوثي” المدعوم من “الحرس الثوري” الإيراني في البحر الأحمر، وفاقم من التهديدات على ممرات الملاحة الدولية وتؤمن مرور نحو 12 بالمئة من التجارة العالمية و20 بالمئة من تجارة النفط حول العالم، ما شكل تهديدا على استقرار أسعار النفط وتضاعف قيمته التداولية في الأسواق.
هجوم 7 أكتوبر سبَّب حرب “كارثية”
ومع الوضع الاقتصادي الذي يلامس الواقع اليومي للمدنيين بنفس درجة تأثيره على الدول واقتصادياتها، يمكن رصد الصدمات القوية التي تلقتها الأوضاع الاقتصادية بالمنطقة جراء الهجمات التي نفذتها “حماس” ضد إسرائيل منذ نحو عام تقريبا، فالاقتصاد الفلسطيني وقع تحت وطأة انهيارات عديدة في ظل التدمير الذي طال البنى التحتية، واستهداف إسرائيل لعدة منشآت نظرا لاتهامها حركة “حماس” بتحويلها إلى أماكن تخزين للسلاح أو وجود قادتها وعناصرها، وعمل أنفاق.
وبالتالي كانت فاتورة الحرب باهظة وثمينة أو على نحو أدق كارثية، فتآكل الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الأول من العام الحالي لنحو 35 بالمئة بحسب بيانات رسمية من البنك الدولي، وذلك بعموم فلسطين، أما في غزة فقط، فتشير البيانات ذاتها إلى انكماش وصل لنحو 85 بالمئة في الفترة المماثلة، ووصل الفقر بالقطاع الذي يقع تحت سيطرة “حماس” لـ100 بالمئة.
وبالانتقال إلى لبنان الذي وضعه “حزب الله” في اليوم التالي لهجمات الحركة الإسلاموية يوم 7 أكتوبر، داخل ما عرف بـ”جبهة إسناد”، بناء على الطلب الإيراني واستراتيجيته المعروفة بـ”وحدة الساحات”، كان الاقتصاد الهش بالأساس من قبل احتدام الصراع في جنوب لبنان وأزمة المصارف، على موعد مع صدمة جديدة لا سيما أن الليرة اللبنانية انخفضت حتى فقدت ما يتجاوز 90 بالمئة من قيمتها الشرائية.

وكما يشير موقع “سكاي نيوز” عربية إلى أن رغم عدم توافر أرقام دقيقة ورسمية بخصوص إجمالي الأضرار الاقتصادية الحالية والمستمرة في لبنان، غير أنه من المؤكد أن الخسائر تجاوزت التقديرات الحالية، مما يهدد بشلل القطاعات الرئيسية وانهيار كامل للبنية التحتية في لبنان.
كما تشير التقديرات الأولية إلى أن الخسائر تجاوزت بالفعل 10 مليارات دولار، وهو مبلغ يمثل حوالي نصف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.
وتعاني القاهرة كذلك من تبعات الحرب القائمة، لا سيما في ظل ما يجري بالبحر الأحمر وعسكرة الميلشيات “الحوثية” للملاحة الدولية، في إطار الضغط على الأوروبيين والولايات المتحدة، حيث إن انخفاض إيرادات قناة السويس كان ملحوظا، لكن تمكن الاقتصاد من مقاومة هذه الهزات بفضل “تنوع موارده من السياحة والصادرات والاستثمارات الأجنبية، إلى جانب الإنتاج الصناعي.
كذلك، ارتفاع الاحتياطي النقدي ساعد في تعزيز الثقة والاستقرار في سوق العملة، إلا أن مصر لا تزال تواجه تحديات تتعلق بارتفاع معدلات التضخم الناجمة عن ضغوط داخلية وخارجية”، وفق “سكاي نيوز“.
نهش أحوال سكان الشرق الأوسط
وفي كافة الأحوال، الشاهد أن دول المنطقة أخذت نصيبها على نحو متفاوت من تلك الحرب، ويتكبد كل طرف فاتورة ما جرى، بينما تبدو الاستثناءات في قدرة كل طرف على الصمود أو تخفيف آثار النتائج على المواطنين بفضل قدراته الاقتصادية، بيد أن صندوق النقد الدولي لم يكن متفائلا في تقاريره مؤخرا والتي رجح فيها أن يكون مؤشر نمو اقتصاد الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، عند حدود 2.7 بالمئة، عام 2024، بخلاف ما كانت عليه التوقعات مطلع العام، بنحو 2.9 بالمئة.
ونقلت وكالة “رويترز” للأنباء عن ناطق بلسان صندوق النقد قوله: “نراقب بقلق بالغ تصعيد الصراع في المنطقة. الصراع الحالي يخلف خسائر بشرية فادحة ويلحق الضرر بالبنية الأساسية المادية في جنوب لبنان، ويؤدي إلى تفاقم الوضع الاقتصادي الكلي والاجتماعي الهش بالفعل في لبنان”.
وبطبيعة الحال، لم تنج إسرائيل من آثار مواجهتها هجمات “حماس” ثم ما تلى ذلك من تعدد الجبهات في جنوب لبنان واليمن والعراق، حيث خفضت وكالة “موديز” للتصنيف الائتماني التصنيف الائتماني لإسرائيل إلى “Baa1” وأبقت على توقعاتها للتصنيف عند “سلبي” وسط تفاقم الصراع في المنطقة مع جماعة “حزب الله”.

وقالت “موديز” إن المحرك الرئيسي وراء خفض التصنيف “هو واعتقادنا أن المخاطر الجيوسياسية تفاقمت بشكل كبير إلى مستويات مرتفعة للغاية، مما ينذر بعواقب مادية سلبية على الجدارة الائتمانية لإسرائيل على المدى القريب والبعيد”.
وحذرت الوكالة من أن حالة عدم اليقين بشأن أمن البلاد وآفاق نموها الاقتصادي على المدى الأطول “أعلى كثيرا من المعتاد عند مستوى التصنيف Baa”، والانخفاض عن هذا المستوى يعني أن إسرائيل سوف تفقد تصنيفها الائتماني عند الدرجة الاستثمارية.
كلفة الحرب على أرواح المدنيين
كلفة الحرب على المدنيين لا تقل قساوة عن الأرقام في الاقتصاد، حيث نجم عن هجوم “حماس” الذي عرف بـ”طوفان الأقصى” مئات المدنيين. يضاف لذلك الرهائن الإسرائيليين في قبضة “حماس”. بالتالي، يقول البيت الأبيض عشية هذه الذكرى أن 7 أكتوبر “يوما أليما”. وقضى 885 مدنيا إثر هجمات “حماس”، ولا يشمل هذا الإحصاء العسكريين، وفق معهد التأمين الوطني بإسرائيل.
وتقول صحيفة “جيروزاليم بوست” إن بين القتلى 578 رجلا، و300 امرأة، و53 طفلا ومراهقا تحت الـ18 عاما، فضلا عن 72 أجنبيا، لافتة إلى مقتل 3 آخرين خارج إسرائيل أيضا.
وأوضح تقرير الصحيفة الإسرائيلية أن 1078 أبا وأما فقدوا طفلا، منهم 119 فقدوا جميع أطفالهم، كما أصبح 1880 إسرائيليا من دون أشقاء، في حين فقدت 12 أسرة أكثر من طفل. وعدد الرهائن 217 مدنيا عاد منهم فقط قرابة 143 مدنيا، بينما ما يزال 74 داخل القطاع.
وتنقل “سكاي نيوز” عن الصحيفة أنه “منذ بداية الحرب، تلقى أكثر من 70 ألف شخص العلاج، بينهم 12 تعرضوا لبتر أطرافهم، كما أُصيب 647 أجنبيا في هجوم حماس”.
وتشير صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، أنه مع اقتراب حصيلة القتلى من 40 ألف قتيل، وذلك حتى نشر التقرير منتصف آب/ أغسطس الماضي، تبدو حرب غزة أكثر “الحروب دموية في القرن الحادي والعشرين”. وقضى في هذه الحرب ما يربو على 40 ألف شخص في قطاع غزة منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر العام الماضي.
وبحسب التقارير، لم تترك الحرب مكانا آمنا في غزة، إذ تحوّلت أكثر من 200 مدرسة غالبيتها تابعة لوكالة “الأونروا”، إلى ملاجئ لمئات آلاف النازحين، ولم تعد هناك مراكز للرعاية الصحية.

ووفق ما أعلنه مدير الإعلام الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، فقد دمر كافة الجامعات والمنشآت الصناعية والتجارية، ومحطة توليد الكهرباء الوحيدة ومضخات المياه والصرف الصحة ومراكز الشرطة والدفاع المدني والسجون، بجانب تدمير نحو 450 ألف منزل ومنشأة، من بينها مستشفيات ومدارس ودور عبادة في القطاع.
من جانب آخر، فقد أدّت الحرب وتداعياتها إلى تأجيج الغضب والإحباط على نطاق واسع بين سكان غزة البالغ عددهم 2.4 مليون نسمة، وكان ثلثاهم فقراء قبل الحرب، وفقا لأستاذ العلوم السياسية في “جامعة الأزهر” مخيمر أبو سعدة.
ويقول أبو سعدة، طبقا لـ”فرانس برس”، إن “حماس تتعرض لانتقادات لاذعة”، مضيفا “أعتقد أن الشعب لن يقبل العودة لهذا الوضع الكارثي” بعد انتهاء الحرب.
أما المحلل السياسي جمال الفادي فيرى أن هجوم السابع من أكتوبر كان “انتحارا سياسيا لحماس” التي “وجدت نفسها معزولة الآن”.
أفاد رئيس مكتب المنظمة الدولية للهجرة في لبنان، ماثيو لوتشيانو، الجمعة، بتصاعد حدة الصراع الإقليمي، مشيرا إلى عبور نحو 235 ألف شخص الحدود اللبنانية إلى سوريا برا خلال الفترة من 21 أيلول/ سبتمبر إلى 3 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري.
وذكر لوتشيانو في تصريح من بيروت أن هذا النزوح الجماعي شمل حوالي 82 ألف لبناني و152 ألف سوري، ما يعكس خطورة التوترات الإقليمية المتفاقمة وعدم الاستقرار المتزايد في المنطقة.

وأضاف لوتشيانو نقلا عن السلطات اللبنانية، أن حوالي 50 ألف شخص، معظمهم من اللبنانيين، و10 آلاف سوري غادروا عبر مطار بيروت خلال نفس الفترة، فيما فرّ حوالي ألف شخص عبر البحر.
ويقدّر أن نحو مليون شخص قد نزحوا داخل لبنان منذ أكتوبر الماضي، وسط تصاعد وتيرة تبادل إطلاق النار على جانبي “الخط الأزرق” الذي تراقبه الأمم المتحدة ويفصل بين لبنان وإسرائيل، وذلك في أعقاب اندلاع الحرب في غزة في السابع من أكتوبر 2023، العام الماضي.
لبنان.. “غزة ثانية”
وفي الجبهة الأكثر احتداما والتي توصف بـ”غزة ثانية” في لبنان، فإن مناطق سيطرة ونفوذ “حزب الله”، منها الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت والقريبة من مطار رفيق الحريري والمتخمة بالسكان والمدنيين، تشهد أزمة كبيرة في ظل الاستهدافات الإسرائيلية المتواصلة على مقرات الحزب المدعوم من إيران وتصفية البنية التحتية العسكرية، وما بين مشاهد التدمير للأبنية التي تتواجد أسفلها أنفاق يستغلها الحزب في عملياته العسكرية، من جهة، والنزوح المستمر، عانى المدنيون في لبنان من شتات وفقدان منازلهم الآمنة، ووصل عدد النازحين على مدار الأسبوعين الماضيين نحو 400 ألف شخص، وفق المنظمة الدولية للهجرة.
وخاتمة القول إن المنطقة تشهد معادلات سياسية وإقليمية جديدة، مع التغييرات في موازين القوى وقد انخفضت مستويات الردع التي احتفظت بها طهران لسنوات وعلى مدار العقد الماضي من خلال ميلشياتها في اليمن وسوريا ولبنان والعراق، ولم تعد هي كما في السابق منذ تنفيذ إسرائيل ضرباتها الدقيقة ومحددة الأهداف.
ومع الذكرى الأولى لحرب غزة، لم يبق أي شيء على حاله، سواء على المستوى السياسي والعسكري أو الأمني والاستراتيجي، فضلا عن أوضاع المدنيين وواقعهم المرير الذي بحاجة لإعادة إعمار في المناطق المنكوبة ورعاية صحية ونفسية، مع غياب أي أمل في التوصل إلى أي اتفاق أو تسوية في الوقت الحالي، رغم جهود الوساطة المستمرة بقيادة الولايات المتحدة ومصر وقطر لإنهاء الحرب.
- من المال والنووي إلى الطيران والنقل.. وثيقة روسية تكشف خطة لتعميق التعاون مع إيران
- تعز.. معارك لمنع “الحوثيين” من تثبيت مكاسب الساحل
- پرونده قضایی برای مسابقه دو زنان در تهران؛ چالش ادامهدار پوشش اختیاری
- من بينهم متهم بتبني هجوم باريس.. العراق يبدأ محاكمة 6 فرنسيين يشتبه بانتمائهم إلى “داعش”
- القبض على رئيس أركان “الحرس الجمهوري” في عهد الأسد
