لا تزال أعمال البيئة الشامية تشكّل رهاناً ناجحاً للدراما السورية كل عام، من خلال ما تقدمه من قصص مشوّقة وحكايات شعبية عن دمشق القديمة، وماهية حياة الدمشقيين، وعاداتهم وتقاليدهم خلال الفترات القديمة للبيئة التي تتناولها.
ومنذ تسعينيات القرن الماضي استطاعت أعمال البيئة الشامية الحفاظ على حضورها في الدراما السورية، وارتبطت بذاكرة المشاهد كمسلسل “أيام شامية-1992” الذي حقق نجاحا كبيرا وقتها، وخلال إعادة عرضه في السنوات اللاحقة، ومسلسل “حمام القيشاني- 1994″، “ليالي الصالحية- 2004″، “الخوالي-2000” والسلسلة الأكثر شهرة “باب الحارة” التي بدأت عام 2006، “و رجال العز- 2011” وغيرها.
ومعظم هذه الأعمال عملت على تقديم العادات والتقاليد القديمة بحسب رأي صنّاعها، وتناولت قضايا الخير والشر، والزواج والأعراس والعراضة الشامية الشهيرة، والحروب ضد العثمانيين أو الفرنسيين، وقصص الخيانة والغدر والوطنية. إضافة إلى تكريس شخصيات مثل الزعيم والعكيد والمختار والداية والزكرت والقبضاي والحكواتي وقيم الرجولة والأنفة والعزة.
كما أظهرت تكاتف وتلاحم أهل الحارة في الأفراح والأتراح، وفي المصاعب ومساندة بعضهم البعض، وحفظ حق الجوار، وتكاتف حارات الشام ككل في أي أمر متعلق بالوطن والأرض.
انتقادات بالجملة
وعلى الرغم من القيَم الخلّاقة التي تقدمها هذه الدراما، غير أن هذه القضايا التي حضرت مشترَكة بين جميع ما يتم إنتاجه كان أحد أبرز الانتقادات التي وجهت لأعمال البيئة الشامية. فاعتبرها البعض مستنسخة، ونمطية، خاصة في صورة المرأة التي قدمتها بعض هذه الأعمال على أنها ربة المنزل التي تعنى بشؤون أسرتها فقط، وتبدأ بالثرثرة مع جاراتها، وترتيب المكائد مع نساء الحارة حول شخصية معينة داخل العمل، الأمر الذي تم تجاوزه لاحقا بتقديم صورة ناصعة للمرأة الدمشقية خاصة والسورية عامة، لتظهر شخصيات المرأة الطبيبة والمحامية وصاحبة الرأي السديد والشخصية القوية والمناضلة في سبيل قضايا وطنها.
أيضاً من الانتقادات التي طالت هذه الأعمال كان توجه بعض صناعها إلى التجارة، بعد نجاح مسلسل ما، وغاب النضج الإبداعي عن بعض صناعها، حيث باتت تطرح موضوعات بعيدة عن الرسالة الإنسانية، والهدف الرئيسي من إنتاجها، خاصة وأنها دراما مستوحاة من فترات ومراحل تاريخية مرت بدمشق تحتاج إلى الكثير من الدقة والحرص على المصداقية فيما يتعلق بالأزياء والديكور والمكياج والحياة الاجتماعية. مما جعلها تقترب أكثر من قصص الربح والخسارة بناء على مقتضيات سوق العرض والطلب التلفزيوني.
لتأتي مطالبات المتابعين من صناعها بضرورة البحث والتقصي والمعرفة، ومحاولة خلق حكايات جديدة، وخطوط درامية متنوعة.
مروان قاووق يتحدث لـ “الحل نت”
أشار بعض النقاد ونشطاء مواقع التواصل الاجتماعي إلى أنه على الرغم من القيم التي تطرحها مثل احترام الكبير وبناء الأسرة الصحيحة، لكنها تفتقر إلى الحالة التوثيقية بالنسبة للملبس والأكل والشراب وحتى بعض الأمور المتعلقة بالحارة الشامية لتتحول إلى فانتازيا، ودراما متخيّلة لا علاقة لها بالبيئة الشامية الحقيقية.

وفي هذا الصدد وحول ديمومة اهتمام الجمهور بها قال الكاتب الشهير بأعماله الشامية مروان قاووق لموقع “الحل نت”: “الدراما الشامية مازالت مطلوبة من قبل الجمهور وبكثرة، وخاصة من الجمهور العربي في المغرب والعراق والخليج وحتى الآن لم يزل يتواصل معي البعض يتساءلون عن أجزاء مقبلة لمسلسل (باب الحارة). فأعمال البيئة الشامية أصبحت رمزا للدراما السورية، ويجب كل عام أن يخرج عمل أو اثنين ضمن مجموع الأعمال السورية، حتى شركات الإنتاج ترغب بها لأنها أسرع بالتسويق في القنوات الفضائية الخليجية، وتقدم لهم أرباحا كبيرة، وعلى الرغم من حضور الدراما السورية المعاصرة، لكن يبقى للدراما الشامية خصوصيتها”.
وأشار كاتب أشهر سلسلة شامية “باب الحارة”، ومؤلف “طاحون الشر-2012″، و”الدبور-2010″، و”بيت جدي-2008″، و”عطر الشام” بأجزائه الأربعة، و”وردة شامية- 2017″ إلى أن جميع أعماله التي كتبها وقدمها خرجتْ من وجدانه وقلبه وأفكاره، ويحبها جميعها لكن العمل الأكثر قربا منه هو “باب الحارة” والذي تسبب بشهرته الواسعة عربيا، إضافة إلى مسلسل “بيت جدي”. مؤكدا لـ “الحل نت” أنه يحرص على جميع شخصياته وليس الأبطال فقط، ويهتم بكل ما يتعلق بالنص، وسردية الحكاية.
وأضاف: “هناك فارق كبير بين الفانتازيا والدراما التوثيقية، وأعمال البيئة الشامية يجب أن تكون حكاية لا تتدخل بالسياسات ولا التوثيقات، لكننا أُجبرنا لتثبيت زمن العمل على تناول أمور تتعلق بالفرنسيين أو العثمانيين أو الملك فيصل، غير أنه في حال الحديث عن خاصية معينة عندها ندخل جانب التوثيق”.
ويفضل قاووق أسلوب الحكاية الشعبية في أعماله، لأنها قريبة إلى القلب والوجدان، ويراها مادة للترفيه والتسلية، وليست للمنفعة الثقافية، خاصة وأن الدراما يجب أن تبتعد عن الملل والسردية المباشرة، فهو يقدم أعماله على مبدأ 90% حكايات شعبية، و10% توثيقاً لزمن العمل.
وبهذا الاختيار استطاع قاووق أن ينجح بأسلوبه ليحقق شهرته الواسعة، وأصبحت كتاباته مطلوبة لدى العديد من شركات الإنتاج للنجاح والتفوق الذي تحققه، ولتمرسه في هذا الجانب.
الرهان الناجح
خلال سنوات الحرب السورية تعرضت الدراما السورية كما غيرها من قطاعات الحياة لمقاطعة كبيرة، لكن أعمال البيئة الشامية بقيت النافذة التي يطل منها المنتجون والفنانون خلال سنيّ الحرب، وكانت تُباع للمحطات الفضائية على الرغم من شح التسويق، وتوقف القنوات العارضة عن شراء المسلسل السوري، مما دفع بالكثيرين إلى الهجرة والعمل في الدراما العربية المشتركة، وفي مختلف البلدان.

وسعى صناع هذه الأعمال إلى الخروج من التأطير، والمساحة الضيقة، والإصغاء أكثر إلى الشارع فمنحوا المرأة دورا أكبر، واقتربوا من بعض الحكايا التوثيقية إنما بأسلوب الحكاية الشعبية، حتى لا يقعوا في مطب النقد، وللخروج من عباءة التوثيق وتحمل مسؤولية المعلومة التاريخية، إضافة إلى الاهتمام بالصورة واستخدام التقنيات لرؤية معاصرة تسهم في فرجة بصرية جميلة وممتعة تدعم نجاح العمل.
وعلى الرغم من النجاح الذي طال بعض هذه المسلسلات في سنوات خلت يبقى الحديث عن النمطية والتكرار والاستسهال وسذاجة الحكاية وغياب القضية الحقيقية عنها، وبقي الجمهور يطالب بأفكار جديدة، وأزمنة مختلفة، دون الاستناد إلى مسلسلات نجحت سابقا في حكاية ما.
محمد زهير رجب يتحدث لـ “الحل نت”
وحول واقعية المسلسلات الشامية تحدثنا مع المخرج الدكتور محمد زهير رجب الذي أخرج مسلسلات تنوعت بين الاجتماعي والتاريخي والتوثيقي والشامي، وحصدت أعماله الشامية نجاحا جماهيريا مثل “طوق البنات4- 2017” وسلسلة “عطر الشام-2016″، و”بروكار- 2022″، و”باب الحارة 10و11″، وقدم العام الفائت مسلسل “العهد”. رجب رأى أن هذا النوع من الدراما يمتلك سحر المشهدية، وما يؤهل هذه المسلسلات للاستمرارية مزيج بين الفانتازيا والواقع، إذ تمتلك أحيانا سحر ألف ليلة وليلة، وأحيانا أخرى تغوص بالواقع بشكل ترميزي.

ويشير رجب إلى أن مسلسل “العهد” هو الأقرب للواقع والأكثر بعدا عن الفانتازيا أو الاستعراض المستمد من الفولكلور من بين ما قدمه.
وأضاف المخرج السوري الذي يستعد لتقديم جزء ثان من مسلسل “العهد” في موسم رمضان 2026، أن الحالة الاستعراضية الفلكلورية تبقى الأحب والأقرب للجمهور العربي، كونه أَلِفَ وأحبّ هذا الأسلوب. على الرغم من أن الدراما السورية قدمت أعمالا دمشقية بيئية واقعية لاقت رواجا، وحصدت نجاحات كبيرة لكن سحر ألف ليلة وليلة في هذه الأعمال يبقى قريبا من قلب وذائقة الجمهور.
وحول مستقبل هذه الدراما يقول المخرج السوري: “أعتقد لها الاستمرارية بشرط التطور الموضوعي والشكلي، وبشرط تخديمها بروح جديدة ورؤى حديثة، ولكن هذا النوع من الدراما محصورة بجغرافيتها الدمشقية العريقة وهذا ما يجعلنا نمتلك ميزة التفرد بها، لكنه يستوجب علينا تقديم إمكانيات أكبر وأحدث للتطوير والاستمرار”.
وأكد أن رفع العقوبات عن سورية يسهم إلى حد كبير باستيراد أجهزة ومعدات فنية تلزم للتطور تقنيا، ولتدفق رؤوس الأموال لتمويل إنتاج أعمال فنية بمستوى فني وإنتاجي عال ومتميز.
بانتظار الجديد
قبل البدء بتحضيرات الموسم الدرامي 2026، ينتظر الجمهور أعمال بيئية شامية، لكنه يأمل أن يرى هذه الصورة الشيّقة، والحكاية الجميلة خارج عباءة النمطية من ناحية المحتوى، ومضمون الأحداث، وخط سير الشخصيات.
وبحسب ما نرصده على مواقع التواصل الاجتماعي من آراء للمتابعين فصناع هذه الدراما مطالبون بالبحث عن أفكار جديدة، غير مملة، وتكريس دور المرأة بشكل أكبر مما هي عليه حاليا.
وعند تقديم محتوى جيد لا يعيب منتجيها تحقيق الربح، لكنهم بالإضافة إليه يحققون متعة بصرية، ويقدمون مادة فنية راقية تحقق صدى لدى الجمهور، وتتصدر نسب المشاهدات لكونها أعمال مناسبة للعائلة خاصة في شهر رمضان المبارك، وتحترم عقل المشاهد بحرفيتها وتكامل أسسها بدءا من النص إلى الإخراج والتصوير والمونتاج واختيار الممثلين.
