بعد أسبوعين من اندلاع الأحداث الدامية.. السويداء تواجه أزمة إنسانية متفاقمة

السويداء

ما زال الواقع الإنساني في محافظة السويداء جنوب سوريا يتدهور بشكل حاد بعد نحو أسبوعين على اندلاع المواجهات المسلحة التي شهدتها المدينة، مخلفةً وراءها عشرات القتلى والجرحى، ومعاناة مستمرة للمدنيين الذين وجدوا أنفسهم عالقين في مشهد يومي من الفقر، والشلل الخدمي، والانقطاع شبه التام لمقومات الحياة الأساسية.

وعلى الرغم من وعود الحكومة بتخفيف الأزمة، فإن الوقائع الميدانية تشير إلى عكس ذلك، حيث تزداد المؤشرات التي توحي بوجود تضييق ممنهج وإغلاق جزئي للمنفذ الجنوبي، ما يثير اتهامات بين الناشطين بأنّ ما يحدث هو حصار غير معلن على المحافظة ذات الغالبية الدرزية.

تفاقم التداعيات الإنسانية

رغم الهدوء العسكري بعد اتفاق وقف إطلاق النار بين الفصائل الدرزية والميليشيات القبلية، إلا أن التداعيات الإنسانية لا تزال تتفاقم، فالقوافل الإغاثية غير كافية، والإمدادات الضرورية من الغذاء والوقود والدواء لم تصل بعد إلى معظم السكان.

أظهرت مقاطع مصورة من السويداء هذا الأسبوع مئات الأشخاص يصطفون أمام عدد قليل من المخابز العاملة، ومع تناقص احتياطي الطحين ونقص وقود الديزل لتشغيل المولدات، بالكاد تستطيع المخابز تلبية الطلب اليومي.

في أحد المقاطع، يُسمع صوت يقول: “هذا الطحين يكفي لليوم فقط، غدًا قد لا يكون هناك خبز”، ويذكر السكان أنهم يحصلون على ربطة خبز واحدة فقط لكل عائلة يوميًا، بعد انتظار لساعات طويلة.

ومع نهب المحال التجارية خلال الاشتباكات وقطع طرق الإمداد، بدأت المواد الغذائية الأساسية تختفي من الرفوف، ويُعد نقص حليب الأطفال واللوازم الطبية من أكثر الأزمات حدة، ويحذر النشطاء من أن استمرار العزلة قد يدفع بالمحافظة نحو مجاعة شاملة.

أزمة وقود

سُمح فقط لقافلة محدودة من الهلال الأحمر العربي السوري بالدخول إلى المنطقة، بينما رفض الزعيم الروحي للمحافظة، الشيخ حكمت الهجري، دخول قافلة مساعدات حكومية، مشيرًا إلى مخاوف من استغلال الإغاثة لأغراض سياسية.

وأثرت أزمة الوقود أيضًا على إمدادات المياه والتنقل، وأعلنت المؤسسة العامة لنقل الكهرباء في سوريا أنها أعادت التيار إلى منطقة الكوم، مما سمح باستئناف ضخ المياه في إحدى المحطات الرئيسية، لكن المسؤولين المحليين أقروا بأن إصلاح الشبكة الكهربائية لا يزال بطيئًا بسبب الأضرار الكبيرة.

وقال مدير كهرباء السويداء، معروف البربور، إن الفرق تعمل “على مدار الساعة” لإعادة التيار، لكنها تواجه تحديات كبيرة بسبب “الدمار الهائل في خطوط التوتر المتوسط والمنخفض”.

أعطال كبيرة بالكهرباء

الكهرباء التي تُعد شريان الحياة في ظل غياب كل شيء، انقطعت مجددًا، الأحد، عن كامل مناطق السويداء، بحسب ما أكده مدير شركة الكهرباء في المحافظة، معروف البربور، في تسجيل مصور، أشار فيه إلى أنّ الأعطال كبيرة جدًا، وأن الإمكانيات الفنية واللوجستية لإصلاحها محدودة للغاية.

وأضاف أن ورش الصيانة تعمل منذ السبت على إصلاح خط التوتر 66 الواصل بين المسيفرة والكوم، ومن المتوقع أن تبدأ صباح الغد أعمال إصلاح خط التوتر العالي 230 الواصل بين غزالة والكوم، الذي يعد المغذي الرئيسي للمحافظة. ولفت البربور إلى أن هذه الأعطال قد تؤدي إلى انقطاعات طويلة، خصوصاً مع ضعف استجابة الحكومة المركزية لطلبات الدعم الطارئة.

من جانبها، أوضحت عضو لجنة الخدمات الإدارية في السويداء، ديانا مقلد، أن التيار الكهربائي عاد بشكل جزئي يوم السبت إلى بعض الأحياء، لكن الانقطاع عاد بالكامل صباح الأحد، موضحة أن الأزمة الكهربائية ليست فقط معاناة يومية للسكان، بل تهدد أيضاً عمل المستشفيات ومحطات ضخ المياه، ما ينذر بكارثة صحية وإنسانية إذا لم تتم المعالجة السريعة.

تنديد بتشديد الحصار

في الأثناء، ترتفع الأصوات المحلية الغاضبة، متهمة الحكومة السورية بتشديد الحصار على المحافظة من خلال إغلاق الطرق الرئيسية التي تربطها بدمشق ودرعا، ما أدى إلى شبه انقطاع تام للإمدادات الغذائية والطبية.

ووفق ما أفادت به شبكة “السويداء 24″، فإن قوات الأمن العام السوري منعت طواقم صحافية أجنبية من دخول المحافظة عبر حاجز بصرى الشام، رغم السماح سابقًا للصحافة بالدخول خلال الأيام الماضية، وقد أرجع عناصر الحاجز المنع إلى “أسباب أمنية”، دون تقديم مزيد من التوضيح.

في المقابل، نفى ناشطون من محافظة درعا وجود حصار شامل، مشيرين إلى أن الطريق من السويداء باتجاه بصرى الشام لا يزال مفتوحًا، ويجري عبره تمرير بعض شحنات الطحين والمحروقات بشكل محدود، إلا أن هؤلاء يؤكدون أن الحواجز الأمنية تنتقي بعناية المواد التي يسمح بمرورها، ما يُبقي الضغط قائماً على المدنيين، خصوصاً في الأحياء الشرقية التي تشهد نقصاً حاداً في الوقود والماء.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم