ما دلالات اشتراط إيران الدفع بـ”اليوان” لعبور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز؟

مضيق هرمز

في تطور لافت يحمل أبعادًا جيوسياسية واقتصادية متشابكة، كشفت شبكة “سي إن إن” الإخبارية الأميركية عن معلومات مثيرة للجدل نقلتها عن مسؤول إيراني رفيع المستوى، تفيد بأن طهران تدرس خطة تسمح بموجبها لعدد محدود من ناقلات النفط بالعبور عبر مضيق هرمز الاستراتيجي، ولكن وفق شرط جديد تمامًا يتمثل في أن يكون تسعير وتداول شحنات النفط هذه بالعملة الصينية “اليوان”، بدلًا من الدولار الأميركي الذي يهيمن على تجارة الطاقة العالمية منذ عقود.

ويأتي الكشف عن هذه الخطوة المحتملة في وقت تعمل فيه إيران على بلورة ما تصفه بـ”خطة جديدة” لتنظيم وإدارة حركة الملاحة والناقلات عبر هذا الممر المائي الضيق، الذي يعد أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، إذ يمر عبره نحو خمس إنتاج العالم من النفط.

قفزة نفطية تعكس قلق الأسواق

انعكست حالة القلق والغموض التي تخيم على المشهد فورًا على أسواق الطاقة، حيث سجلت أسعار النفط قفزة كبيرة لتصل إلى أعلى مستوياتها منذ صيف عام 2022، أي منذ ما بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، مما يعكس حساسية الأسواق المفرطة تجاه أي تطورات تهدد انسيابية الإمدادات من هذه المنطقة الحيوية.

يكتسب هذا الشرط الإيراني دلالات عميقة تتجاوز مجرد الترتيبات الفنية للملاحة البحرية، إذ يوجه ضربة رمزية وعملية لنظام “البترودولار” الذي يشكل ركيزة أساسية للهيمنة المالية الأميركية.

فمنذ الاتفاق التاريخي بين واشنطن والرياض في سبعينيات القرن الماضي، ظلت تجارة النفط العالمية تُجرى بالدولار حصريًا، باستثناءات محدودة فرضتها العقوبات على النفط الروسي الذي بات يُتداول بالروبل أو اليوان، فيبدو أن طهران، التي تخضع لأقسى عقوبات اقتصادية أميركية، تسعى عبر هذا التحرك إلى تحويل مضيق هرمز من مجرد ورقة ضغط عسكرية إلى أداة مالية استراتيجية تستهدف النفوذ الاقتصادي الغربي.

محاولة لاستدراج الصين

في هذا السياق، أوضح الباحث الاقتصادي المتخصص، يحيى السيد عمر، أن ما يتم تداوله يمثل “محاولة إيرانية جريئة لإعادة تعريف معادلة النفوذ في تجارة الطاقة العالمية”.

أوضح خلال تغريدة له عبر منصة “إكس”، أن هذه الخطوة، إن تم تأكيدها، تعكس مسعى طهران لاستدراج الصين إلى قلب المعادلة الصراعية مع الغرب، مشيرًا إلى أن بكين تُغرى بمكسب استراتيجي كبير يتمثل في توسيع نطاق استخدام عملتها الوطنية في تجارة النفط، وهو ما تسعى إليه الصين منذ سنوات، لا سيما في تعاملاتها مع كبار المنتجين مثل السعودية.

الباحث الاقتصادي المتخصص، يحيى السيد عمر

ورأى أن ذلك يضع الصين في موقف شديد الحساسية والتعقيد؛ فبكين التي تتبنى سياسة خارجية براغماتية وحذرة، تدرك أن أي انحياز واضح إلى طهران قد يعرضها لمواجهة مباشرة مع واشنطن، ويهدد علاقاتها الاقتصادية المتشعبة مع دول الخليج، التي تعتمد عليها في تأمين احتياجاتها الهائلة من الطاقة واستقرار أسواقها.

تحذيرات إنسانية وسياسة ضغط

من ناحية أخرى، تأتي هذه التطورات وسط تحذيرات إنسانية بالغة الخطورة، فقد حذرت الأمم المتحدة مؤخرًا، من أن أي قيود تُفرض على حركة السفن عبر مضيق هرمز سيكون لها “تأثير هائل” على الجهود الإنسانية في منطقة تعاني أصلًا من ويلات الحروب والنزاعات.

 وقال وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، إن تعطيل الملاحة في المضيق “ينشر العواقب بسرعة” ويجعل نقل الغذاء والدواء والأسمدة والإمدادات الأساسية “أكثر صعوبة وتكلفة”، مما يضاعف معاناة الملايين.

يذكر أنه لم تكن هذه الإشارة الإيرانية إلى ربط مرور ناقلات النفط بشروط مالية سابقة من نوعها خلال التصعيد الحالي، إذ سبق أن لوّحت طهران في أكثر من مناسبة بإعادة تنظيم حركة الملاحة عبر مضيق هرمز وفق ضوابط اعتبرتها مرتبطة بـ”الاعتبارات الأمنية والسيادية”.

ففي ذروة التوترات الأخيرة، أعلنت السلطات الإيرانية أنها قد تسمح بمرور السفن التجارية وناقلات الطاقة بشرط الالتزام بإجراءات تنسيق مسبق مع الجهات البحرية الإيرانية، بما يشمل الإفصاح الكامل عن وجهات الشحنات وهويات الشركات المالكة، مع تحذيرات ضمنية من أن السفن المرتبطة بدول تعتبرها طهران “طرفًا في المواجهة” قد تواجه قيودًا إضافية أو تأخيرات في العبور.

وقد فُسّر ذلك القرار آنذاك على أنه محاولة لتحويل المضيق إلى ورقة ضغط استراتيجية دون الوصول إلى حد الإغلاق الكامل للممر البحري، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية، كما تعكس هذه السياسة التدريجية، القائمة على فرض شروط إدارية أو مالية بدلًا من الإغلاق المباشر، سعي طهران إلى ممارسة نفوذها الجغرافي على أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، مع إبقاء هامش للمناورة السياسية وتفادي ردود فعل دولية حادة قد تنتج عن تعطيل شامل للملاحة.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم