لانا جبر
مازال موضوع النقل في دمشق وريفها يشكل مشكلة تتفاقم بالنسبة للسكان في المحافظتين، لاسيما بعد الارتفاعات المتتالية التي شهدتها أسعارالوقود، وهو ما أثّر بشكل مباشر على ارتفاع الفاتورة التي يدفعها المواطن السوري للتنقل بين منطقة وأخرى.
وأضحت هذه الفاتورة “باهظة جداً” كما وصفها بعض المواطنين سواء كانت بالنقل عبر الوسائط العامة أو الخاصة، ولا تتناسب مع تدهور الأوضاع المعيشية للأسرة السورية.
“باتت الـ 500 ل.س هي أقل مبلغ يتقاضاه سائق التاكسي كأجرة نقل بين منطقتين قريبتين في العاصمة”، بهذه الكلمات عبّر رائد، وهو موظف في شركة خاصة في العاصمة، عن ارتفاع تكاليف النقل، مبيناً بأن هذا المبلغ المصنف كحد أدنى من الأجر الذي يتقاضاه سائق التاكسي، يعتبر رقماً كبيراً بالنسبة لمدخول المواطن السوري.
ولعل أكثر ما يثير غضب المواطنين هو رفض سائق التاكسي تشغيل عداده، وذلك حسب ما أشار فادي القاطن في حي العباسيين بدمشق، حيث بيّن بأنه منذ أن ارتفعت وتيرة الأحداث الأمنية في سوريا وبدأت الحواجز العسكرية تنتشر في دمشق، بدأ سائقو سيارات الأجرة يرفضون تشغيل عداداتهم حيث كانت الحجج في البداية بأنه معطّل، أما اليوم فإن الراكب الذي يحتج ويطلب تشغيل العداد، فإن سائق التاكسي ينزله من السيارة ويرفض نقله، دون رقيب قانوني يمكن أن يخيف السائق.
وهو ما أكدت عليه ليال القاطنة في جرمانا بريف دمشق مبينة أيضاً أنّ أجرة التاكسي التي تقلها من جرمانا إلى ساحة باب توما في دمشق يمكن أن تصل إلى 800 ل.س حيث تعتبر المسافة بين المنطقتين قصيرة لا تستهلك أكثر من ربع ساعة، إلا أنّ الحواجز التابعة للنظام السوري المزروعة على الطريق بين المنطقتين تجعل المسافة تمتد إلى ما يقارب ساعة ونصف، مشيرة إلى أنها الذريعة التي يتحجج بها سائق التاكسي من أجل رفع تسعيرته.
ولعل الحواجز التابعة للنظام، والتي تفصل أحياء العاصمة عن بعضها وعن ريفها لم تسهم في خلق الاختناقات المرورية فقط، ورفع أجور المواصلات أضعافاً مضاعفة، إنّما ساهمت أيضاً بالتأثير على منظومة النقل.
وهنا بيّن فؤاد أحد السكان في ريف دمشق أن الحواجز العسكرية جعلت من سائقي التكاسي يفضلون العمل في منطقة أو حي واحد، فعلى سبيل المثال بات هناك سيارت أجرة تعمل في قدسياً فقط، وترفض الخروج منها إلى مناطق أخرى، وغيرها تعمل داخل بلدة جرمانا والدويلعة، وسائقين انتقوا للعمل وسط العاصمة.
وهنا بيّن فؤاد بأن الخاسر في هذه المعادلة هو المواطن الذي يجد نفسه عاجزاً عن التنقل بين مختلف المناطق، وإلا سيضطر لدفع مبلغ كبير يصل إلى 3000 ل.س في بعض الأحيان لجعل السائق يغير وجهته.
حلول بانتظار أن تعتمدها الدولة
لعل الارتفاع الكبير بالنسبة لأجور التكاسي في العاصمة إنما جعل من المواطنين يجدون حلاً مؤقتاً باعتماد مبدأ “التاكسي السرفيس”، حيث يتقاسم الأجرة النهائية مجموعة من الركاب متجهين إلى نفس الوجهة، وهو ما أرضى السائقين إلى حد ما.
وتجد لمى وهي طالبة جامعية من هذه الطريقة حلاً معقولاً خفف عليها الأعباء المالية التي تتكبدها يومياً للذهاب إلى جامعتها في حي البرامكة، وبالتالي باتت لمى تدفع 250 بدلاً من 1000 ل.س.
إلا أن هذا الحل الذي اعتمده المواطنون منذ أكثر من عام ونصف نبّه الجهات المعنية التي وقفت عاجزة عن مساعدة المواطنين في ضبط تسعيرة سائقي التكاسي، حيث أعلنت محافظة دمشق في أواخر العام الماضي بأنها ستعتمد هذه الطريقة كمنظومة نقل في العاصمة دمشق وتعمل على تنظيمها أكثر كي لا تبقى “عشوائية”، إلا أن أكثر من ستة أشهر مضت على تصريح المحافظة الغارقة في البيروقراطية، لتخرج للمواطنين مؤخراً وتعلن على لسان أحد مسؤوليها بأن سبب التأخير في إعلان هذه المنظومة سببه إجراءات قانونية، استغرقت وقتا حتى تمَّ عرض الدراسة على مجلس المحافظة، حيث لاتزال هذه الدراسة على طاولة المسؤولين حتى الآن.
وبين مصدر من المحافظة في تصريحه لإحدى المواقع الموالية للنظام بأن هذه المنظومة سوف تشمل عدداً من سيارات التاكسي الراغبة بالانضمام إليها، وسوف توشح السيارات المنظمة وتسجل على خطوط وفق نظام داخلي، مؤكداً أن سيتم مراقبة عملها بدقة وهذا بدوره يحتاج إلى تحضيرات وتعليمات حسب وصف المصدر.
والباصات…
أما بالنسبة لوسائط النقل العامة كباصات النقل الداخلي فإن وضعها ليس بأفضل حال على اعتبار أنّ أسعارها ارتفعت مرتين إحداهما رسمية حيث رفعت حكومة النظام التسعيرة بعد رفعها أسعار الوقود، في حين أن ارتفاعاً آخر طال هذه الوسائط ناتج عن قرار فردي من سائقيها أو الشركات الخاصة المشرفة عليها، وهو ما أثار حفيظة بعض المواطنين الذين فضلوا استخدام الأقدام كوسيلة نقل، وذلك حسب ما بيّن سامر الذي بات يقطع يومياً المسافة بين منزله الكائن في حي التجارة وعمله في شارع 29 أيار سيراً على الأقدام.
وتابع سامر بأن باصات النقل الداخلي باتت تفرض تسعيرتها الخاصة والتي تصل إلى 50 ل.س كبدل ذهاب وإياب، مشيراً إلى أنّ المواصلات ستكلفه شهرياً ما يزيد عن 1500 ل.س، وبالتالي رأى الشاب بأن هذا المبلغ يمكن أن يشتري فيه مواد غذائية لعائلته عوضاً عن دفعه لشركات النقل.
أما بالنسبة للجهات المعنية في حكومة النظام فهي تقف عاجزة أمام إيجاد حل لموضوع التسعيرة التي تفرضها شركات النقل الداخلي، حيث كشف رئيس جمعية حماية المستهلك بدمشق وريفها لإحدى المواقع الموالية للنظام عن الشكاوي التي ترد للجمعية من المواطنين الذي يحتجون على رفع شركات النقل الداخلي لتسعيراتها، مبيناً أن الباصات على خط أوتوستراد المزة يتقاضون مبلغ 25 ل.س من الركاب بدل ذهاب فقط، وهنا طالب رئيس الجمعية تلك الشركات بضرورة تجزئة التعرفة.
وفي هذا الإطار رأى أحد المواطنين الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه بأنّ موقف الحكومة لايتجاوز المطالبة، والتنديد تجاه أي استغلال للمواطن، في حين لا إجراءات واضحة على أرض الواقع “يمكن أن تكف يد شركات النقل عن سرقة المواطنين”.
ولا تبعد السرافيس “الميكرو باص” عن هذه الجدلية، حيث يتفق سائقوها على رفع التسعيرة كل وفق المسافة أو الخط الذي يعمل عليه، ويقول رياض أحد سكان مشروع دمر، “أن تسعيرة السرفيس من جسر الرئيس وسط العاصمة إلى مشروع دمر وصلت إلى 25 ل.س، في حين أنّها وصلت إلى 35 ل.س إلى ضاحية الأسد على سبيل المثال”.
ومن جانبها سلطت ريم بالضوء على مشكلة أخرى يعانيها المواطنون من سائقي وسائط النقل العامة، فهم لم يعودوا يلتزمون بالخطوط النظامية المحددة لهم، فبعضهم بات يرفض الوصول إلى “آخر الخط” حسب ما يقال باللغة الدارجة، وبالتالي فإن التسعيرة ارتفعت في حين أنّ المواطن لا يحصل على الخدمة الكاملة، فعليه إما المتابعة سيراً على الأقدام أو استخدام وسيلة نقل أخرى للوصول إلى مقصده.
وأكد مروان أن هذه المشكلة باتت واقعاً بالنسبة لكل وسائط النقل بما فيها السرافيس، فالسائق كثيراً ما يرفض الذهاب إلى مناطق أو أحياء معينة خاصة تلك المعروفة بازدحامها نتيجة الحواجز العسكرية، وبالتالي على المواطن أن يستخدم قدميه للوصل إلى منزله في كثير من الأحيان.
يذكر أن مدينة دمشق قد شهدت تراجعاً في أعداد مركبات النقل بمختلف أنواعها حيث بينت إحدى الإحصائيات الصادرة عن وزارة الإدارة المحلية أن عدد باصات الشركات الخاصة للنقل الداخلي انخفض من900 إلى 202 باص، في حين وصل انخفض عدد السرافيس إلى 4679 في دمشق وريفها بعد أن جاوز عددها 14 ألف سرفيس.

