مجاعة في سوريا: لماذا يعجز فلاحو الجزيرة عن إمداد البلاد بالقمح؟

مجاعة في سوريا: لماذا يعجز فلاحو الجزيرة عن إمداد البلاد بالقمح؟
أستمع للمادة

بات الحديث عن المجاعة في سوريا أمراً غير مستغرب. نظراً لما يعيشه السوريون من أزمات اقتصادية متتالية منذ سنوات. لأسباب عديدة، منها الوضع الأمني والميداني، الذي أدى إلى شح الموارد، مع ضعف النشاط الزراعي والصناعي والتجاري. فضلاً عن العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا. التي جعلت استيراد المواد الأساسية شديد الصعوبة. إضافة إلى الوضع الاقتصادي الصعب في لبنان أيضاً، والذي له انعكاسات غير مباشرة على الحال الاقتصادي في سوريا.

وتُعتبر أزمة القمح  في مقدمة الأزمات التي يعاني منها الاقتصاد السوري، وتدفع كثيرين للتحذير من المجاعة في سوريا. الأمر الذي جعل الرئيس السوري بشار الأسد يطلق مشروع “عام القمح”. في محاولة لمواجهة الأزمة، التي ترافقت مع مواسم شحيحة الأمطار، أدت إلى ضعف الإنتاج الزراعي. إضافة إلى أن الجزيرة السورية، التي تشكّل خزّان القمح في البلاد، لم تعد واقعة تحت سيطرة حكومة دمشق. وبالتالي فإن تزويد البلاد من قمح الجزيرة بات خاضعاً لاتفاقيات بين الحكومة السورية والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، التي تسيطر على ما يقارب 60% من محصول القمح في البلاد.

وعملت الإدارة الذاتية العام الماضي على شراء القمح من المزارعين بأسعار عالية، وبالدولار الأميركي، وذلك لثنيهم عن بيع محصولهم لحكومة دمشق. فيما أشار “سلمان باردو”، الرئيس المشترك لهيئة الاقتصاد والزراعة في شمال وشرق سوريا، التابعة للإدارة، في وقت سابق من العام الماضي، إلى «ضعف الإنتاج الزراعي في الجزيرة السورية. بسبب موسم شحيح الأمطار. إضافة إلى انخفاض واضح في منسوب الأنهار». وكل هذا أدى لأزمة قمح في مناطق سيطرة حكومة دمشق. وازداد الأمر سوءاً بعد رفض الإدارة الذاتية طلباً روسياً لتوريد القمح إلى الحكومة السورية. لأسباب تخصّ المناطق الخاضعة لها وأمنها الغذائي.

 وأمام هذه الظروف، التي تعاني منها كل من حكومة دمشق والإدارة الذاتية، إلى أي درجة بات الحديث عن المجاعة في سوريا أمراً واقعاً؟

على أعتاب المجاعة في سوريا

كانت منظمة الأغذية العالمية قد حذّرت في العام الماضي من أزمة غذاء، قد تكون خانقة، سيعيشها السوريون بسبب انخفاض معدل الأمطار. وخروج أراضٍ، تقدّر مساحتها بنحو 3.7 مليون فدان، من الإنتاج القمحي. وهذا ما أعطى مؤشراً بأن حوالي 12.4 مليون سوري سوف يعانون من أزمة غذاء. قد تتطوّر إلى المجاعة في سوريا.

في هذا السياق كان البنك الدولي قد ذكر أن «فارق العملات في سوريا أدى إلى تضخم عالٍ جداً. ودفع السوريين نحو شراء المواد الأساسية. بالتالي ازداد الاتجاه نحو استهلاك الخبز». وهو ما يجعل الحال المعيشي في أزمة حقيقية، إلى جانب الأزمات التي تُثقل حياة السوريين اليومية، من غلاء وانعدام أمن.

وكان “شون أوبراين”، ممثل برنامج الغذاء في سوريا، قد قال في العام الماضي إنه «بدون المساعدة المستمرة، لن تتمكن معظم الأسر السورية من البقاء على قيد الحياة». مضيفاً: «لقد تسببت الأزمة في خسائر فادحة للشعب السوري. ففي كل يوم يُدفع بالمزيد والمزيد من السوريين نحو الجوع والفقر. وتواجه الأسر خيارات مستحيلة».

 كل هذا ترافق مع تباطؤ توريد القمح من روسيا، وهي من الدول الأكثر تصديراً للقمح عالمياً، وتتمتع بعلاقات ممتازة مع حكومة دمشق. ومع ذلك يقف التمويل عائقاً أمام التوريد بين الطرفين. ما ساهم في تأزيم الأمور. علماً أن الطلب السنوي السوري على القمح يبلغ، بحسب الإحصائيات، حوالي أربعة ملايين طن.

مقالات قد تهمك: استغلال سياسي روسي لملف المساعدات الإنسانية بسوريا.. ماذا بعد ذلك؟

مشاكل مزارعي الجزيرة تنذر بمجاعة

عانى المزارعون السوريون من تبعات التجاذبات السياسية. وربما تكون الاضطرابات السياسية والأمنية في منطقة الجزيرة السورية سبباً أساسياً لحصول المجاعة في سوريا.

في هذا السياق قالت السيدة “ريم ناصر”، الناشطة في مجال حقوق الإنسان والمجتمع من مدينة الرقة، إن «تكلفة إنتاج القمح في الجزيرة ليست ثابتة. ويتم تحديدها أحياناً بالدولار الأمريكي. مما يدفع المزارعين للاتجاه نحو تجّار يعملون لصالح حكومة دمشق، لتزويدهم بالمعدات الزراعية».

كما تحدثت السيدة “ناصر” عن «دور الحرائق، التي تنشب لأسباب طبيعية أو مفتعلة، في إنهاك المزارعين، الذين باتوا يتحمّلون غلاء المواد الزراعية والمحروقات. وعمليات بيع المحصول بالليرة السورية، على الرغم من أن المواد الزراعية تُشترى بالدولار». مضيفةً: «كان إنتاج القمح قليلاً، في معظم المناطق الزراعية في الجزيرة السورية والرقة، على مدار السنوات الثلاث الماضية. فقد عانى معظم المزارعين من الغلاء الجنوني في أسعار المحروقات، وغلاء بذار القمح والشعير والأسمدة. ما دفعهم للتعامل مع تجّار موالين لحكومة دمشق، مثل “حسام القاطرجي”. رغم أن هذا منهك لهم. بسبب زيادة أجور النقل والتحميل. فضلاً عن قلة الأمطار وجفاف الأراضي السورية» .

وتؤكد الناشطة السورية أن «هذه الأزمة، إضافة لكونها أزمة غذاء وبداية قصص المجاعة في سوريا، خلقت أزمة  بطالة. باعتبار أن الزراعة هي العمل الرئيسي في مدن وقرى الجزيرة السورية والرقة».

احتمال المجاعة في سوريا مرتبط بأزمة المناخ العالمية

تُعاني المنطقة عموماً من صعوبات اقتصادية، ترافقت مع ظروف مناخية، زادت من معاناة السوريين. وفي هذا الشأن قال السيد “محمد عربيد”، المسؤول في مركز “دراسات المناخ”، إن «آثار التغيير المناخي تزداد اتساعاً وخطورة، وبوتيرة متسارعة. فمثلاً درجات الحرارة العالمية باتت أعلى من المعدل المتوقع بدرجتين أو أكثر. فضلاً عن زيادة الظواهر المناخية المتطرّفة، مثل البرودة الشديدة أو الحر الشديد. وهذا ما أدى إلى حدوث فيضانات في أماكن كثيرة. كما شاهدنا في ألمانيا وأوروبا مثلاً. وجفاف في أفريقيا. والشرق الأوسط ليس ببعيد عن هذا التغيّر المناخي، فهو  أيضاً يعاني من شح الأمطار. وهذا بالطبع سيؤثر على إنتاج  البلاد من الغذاء».

وعن الحلول الممكنة، يؤكد السيد “عربيد” في حديثه لـ«الحل نت»: «لا توجد كثير من الحلول سوى أن تتعاون الدول بشكل جدي في مواجهة التغيّر المناخي. وأن تعمل على مكافحة الانبعاثات المتزايدة. وعلينا أيضاً ألا ننسى تأثير جائحة كورونا، التي أثّرت سلباً على الاقتصادات وعمليات الاستيراد والتصدير العالمية، والقدرات التمويلية».

ويرى الباحث السوري أن «الحل هو ضمن السياق العالمي. ولا يمكن أن يكون محلياً على مستوى كل دولة. وعلى الرغم من الدور الأساسي للنزاع السوري في مشكلة الغذاء. وإمكانية حدوث المجاعة في سوريا. بسبب تأثيره على عمليات التبادل التجاري، إلا أن مشكلة المناخ، وتأثيرها على المحاصيل، هي عقدة أساسية في الأزمة. لا بد من حلها».

هكذا يبدو أن كل ما يتعلّق بالأزمة السورية، من الحل السياسي إلى تلافي حدوث المجاعة في سوريا، حلقة في سلسلة من الأزمات السياسية والاقتصادية والمناخية العالمية. لا يمكن حلها إلا بتوافق دولي، يفتح الباب لإنهاء معاناة السوريين في كل المجالات.  

شارك المقالة ..,
Share on Facebook
Facebook
Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on LinkedIn
Linkedin
Email this to someone
email
Print this page
Print
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات