محمد مهدي الجواهري.. صاحب “تنويمة الجياع”

محمد مهدي الجواهري.. صاحب “تنويمة الجياع”
أستمع للمادة

حييتُ سفحكِ عن بعد فحييني

يا دجلة الخير يا أم البساتينِ

محمد مهدي الجواهري

محمد مهدي الجواهري.. الاسم الذي لا ينسى أبد الدهر، كيف لا وهو “شاعر القرن” و”شاعر العرب الأكبر”. عاش قرابة القرن، ولد في النجف في 26 تموز/ يوليو 1899، ومات مغتربا في دمشق بمثل هذا اليوم 27 تموز/ يوليو 1997. 

ربع قرن يمر اليوم على رحيل الجواهري، صاحب “تنويمة الجياع”، وبهذه المناسبة ثمة اهتمام قل مثيله من قبل الحكومة العراقية، ناهيك عن اهتمام ثقافي لاستذكار الراحل الكبير عبر عدة زوايا. 

اهتمام حكومي وثقافي

وزارة الاتصالات العراقية، قامت بإصدار طابع بريدي تذكاري للجواهري، أمس الثلاثاء، بتوجيه من مجلس الوزراء برئاسة رئيس الحكومة العراقية، مصطفى الكاظمي، فيما سمّت “أمانة بغداد”، هذا اليوم، أحد شوارع منطقة المنصور باسمه.

في الذكرى الـ 25 على رحيل “أبا فرات”، أصدرت “دار الشؤون الثقافية” التابعة لوزارة السياحة والآثار في بغداد، كتاب “ذكرياتي” لمحمد مهدي الجواهري، ويضم سيرته الشخصية التي كتبها بنفسه، وصدر الكتاب في جزأين. 

ثقافيا، أقام “الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق”، البارحة، استذكارا أدبيا للشاعر العراقي الذي عجز أقرانه عن منافسته في الشعر التقليدي، فذهب عدد من شعراء البلاد في زمانه لمنطقة أخرى للإبداع.

الاستذكار تضمن إقامة ندوة أدبية وجلسة شعرية في “قاعة الجواهري”، ناهيك عن معرض فوتوغرافي لصور الجواهري في باحة “اتحاد الأدباء”، إضافة إلى معرض للكتاب، مع إلقاء لقصائد الجواهري وقصائد مغنّاة له.

الفعاليات الأدبية بمناسبة ربع قرن على رحيل الجواهري، بدأت منذ 22 تموز/ يوليو الجاري، في “المركز الثقافي البغدادي” وسط شارع المتنبي ببغداد، وتستمر حتى هذا اليوم.

هل ذلك هو كل شيء؟ بالطبع لا، إذ يشهد اليوم، افتتاح بيت الجواهري، الذي تم ترميمه وتأهيله مؤخرا، بعد أن تملّكته “أمانة بغداد”، لتحويله إلى مركز ثقافي، بحيث يكون معلما وطنيا وثقافيا يضم بعض آثار الشاعر ودواوينهِ ومقتنياته. 

أنا العِراقُ لساني قلبهُ ودمي

فراتُهُ وكياني منهُ أشطارُ

البيت الشعري أعلاه للجواهري، قرّر مجلس الوزراء العراقي، مطلع الشهر الحالي، وضعه في أعلى المخاطبات الرسمية لجميع الوزارات والهيئات الحكومية، بهدف إحياء ذكرى “الرمز الكبير”.

فيما يخص بيت الجواهري، فهو البيت الوحيد الذي تملَكه الشاعر في العراق حتى مغادرته إلى براغ مطلع عام 1980؛ بسبب مواقفه من سياسات السلطات الحاكمة آنذاك، وخصوصا حقبة “حزب البعث” إبان نظام صدام حسين.

قضى الجواهري ابن النجف، حياته في بغداد مستأجرا عدة بيوتٍ في مناطق متفرقة منها، وشيَد بيته الوحيد على حسابه الخاص، بعد أن حصل على قطعةِ أرضٍ في منطقة القادسية جنوبي بغداد، وهي من جملة أراضٍ وزعتها الدولة على الصحفيين، وقد أُنجز بناؤه نهاية 1970.

عن الأهمية التراثية والثقافية للبيت، تقول حفيدة الشاعر بان فرات الجواهري في تصريح صحفي، إنه شهد ذكرى العديد من الأحداث العراقية لـ 10 سنوات في السبعينيات. “كان مجلسا لكل المثقفين والسياسيين على اختلاف ميولهم السياسية ومدارسهم الشعرية والأدبية”.

“افتتاح البيت وتحويله إلى مركزٍ ثقافي، سيفتح بابا جديدا لإثراء الواقع الثقافي بمجالس أدبية ومعارضَ فنية، تضيف قناة جديدة للثقافة والفن (…) إذ يشتمل البيت على ذكريات شخصية كثيرةٍ عاصرها الشاعر خلال فترة وجوده فيه”، وفق حفيدته.

حياة محمد مهدي الجواهري

عاش الجواهري 98 عاما، وله طيلة مسيرته الأدبية والشعرية مئات القصائد والعديد من الدواوين، ومن أهم مؤلفاته: “خلية الأدب، بريد الغربة، بريد العودة، بين العاطفة والشعر، أيها الأرق، خلجات، الجمهرة، ذكرياتي”.

يقول الناقد الأدبي، عبد الله الغذامي، إن من أهم أسباب نشوء حركة الشعر الحر في العراق، وجود قامة شعرية لا يمكن تجاوزها اسمها، محمد مهدي الجواهري، فعمد شعراء العراق إلى ابتكار منطقة للإبداع الشعري خارج أسوار مملكة الجواهري في الشعر العمودي.

تميزت قصائد الجواهري بجزالة في النسيج، كما تميزت بالثورة على بعض الأوضاع الاجتماعية، لعل منها قصيدة “رجعيون” ضد فقهاء مدينة النجف، الذين عارضوا فتح مدرسة للبنات فقال:

فما كان هذا الدين لولا ادّعاؤهم

لتمتاز في أحكامه الطبقات

أتُجبى ملايينٌ لفردٍ وحوله

ألوفٌ عليهم حلّت الصدقاتُ

تعرض الجواهري للسجن عدة مرات إبان الحكم الملكي، وكان مقربا من رئيس الوزراء العراقي عبد الكريم قاسم خلال السنين الأولى من قيام النظام الجمهوري في العراق، لكنه افترق عنه بعد ذلك، فتعرض للمضايقات مما دفعه إلى مغادرة العراق عام 1961.

لم يعد الجواهري للعراق إلا بعد عام 1968 بدعوة من الحكومة العراقية وقتئذ، وظل في بغداد 12 عاما، ثم غادر البلاد نهائيا عام 1980، بعد وصول صدام حسين إلى الحكم، ولم يعد رغم محاولات “النظام البائد” العديدة لإقناعه بالعودة.

خلّد “اتحاد الأدباء” في العراق، الشاعر الجواهري بإقامة تمثال نصفي له في مقر الاتحاد، وإقامة مهرجان شعري باسمه، وقاعة تحمل اسمه، هذا كل ما حصل عليه “شاعر العرب الأكبر”، وأول نقيب للصحفيين العراقيين من تكريم في العراق، قبل الاهتمام الحكومي اليوم.

كان دائم الانتقاد لسلطات بلاده لدرجة الفوران، فهو منذ طفولته يفور فورة ويستوي، إذ يقول الجواهري: “أنا أفور فورة ساخنة قوية ثم سرعان ما أستوي فأعود إلى طبيعتي”، ومن أبرز قصائده النقدية لسلطات العراق، هي “تنويمة الجياع”.

يستنكر الجواهري الجوع، ويدعو للانتفاض على أسبابه ومسبّبيه، لكنه يتحدث بخطاب صانعيه ولسانهم، فهم ينصحون الشعب بألاّ يصحو، وأن يكتفي بأن يشبع ـ كما يحلم ـ في المنام! ومما يقول فيها هي هذه الأبيات: 

نامي جياعَ الشَّعْبِ نامي

حَرَسَتْكِ آلِهة ُالطَّعامِ

نامي فإنْ لم تشبَعِ

مِنْ يَقْظةٍ فمِنَ المنامِ

نامي على زُبَدِ الوعود

يُدَافُ في عَسَل ِ الكلامِ

“تنويمة الجياع”، قد جسّدت محمد مهدي الجواهري تجسيدا دقيقا، خاصة من عنوانها المفارق لمحمولها الدلالي؛ فهي غاضبة محرّضة؛ لكنها موصوفة بالتنويمة التي تهدهد بها الأم رضيعها ليخلد إلى النوم.

الجواهري والسياسة

علاقات الجواهري كانت وطيدة مع الملوك والرؤساء العرب، عكس تلك التي اتسمت بالجفاء مع مختلف قادة العراق، ففي عام 1983 دعاه الرئيس السوري آنذاك، حافظ الأسد إلى دمشق، واستقبل بحفاوة تليق به، وخُصصت له دار وسيارة.

في مستهل التسعينيات، وأثناء عودة الشاعر الجواهري من القاهرة إلى دمشق مر بعمّان، فاستقبل بترحاب منقطع النظير، وقرأ في يوم 2 كانون الأول/ ديسمبر 1992، في حضرة الملك الأردني الراحل، الحسين بن طلال، قصيدة مدح للأخير.

للجواهري الكثير من القصائد الجميلة، ومن أروعها قصيدة “عينية الجواهري”، وتعد من عيون الشعر العربي الحديث، وأهم القصائد التي قيلت في الإمام الحسين، وكتبت بماء الذهب في مرقد الإمام الحسين بن علي في كربلاء. 

يقول مطلع القصيدة:

فِداءٌّ لَمثواكَ مِن مَضْجَعِ

تَنَوَّرَ بالإبلَج الأروَعِ

بأعبقَ من نَفحاتِ الجِنانِ

رَوحًا، ومن مِسكِها أضوع

أما أجمل أبيات القصيدة:

كأنَّ يدًا من وراءِ الضريحِ

حمراءَ مَبتُورَةَ الإِصْبَع

تَمُدُّ إلى عالمٍ بالخُنوعِ

والضيمِ ذي شَرقٍ مُتْرَع

تَخبَّطَ في غابةٍ أطبَقَت

على مُذئبٍ منه أو مُسْبِع

عن مواقفه السياسية، تقول الدكتورة خيال الجواهري، ابنة الشاعر الراحل في حديث صحفي سابق، إن والدها تعرض للاعتقال في العهد الملكي مرات عديدة، واشترك فى “ثورة العشرين” ضد الاحتلال البريطاني، وألغيت جريدته “الفرات”.

غاية الشعر لدى الجواهري كرّستها جملة مواقف تطورت في الكتابة والسياسة، لتصوغ شخصيته المناوئة للظلم والاحتلال والاستبداد، وقدّم في رحلته الطويلة تضحيات عديدة بدءا من السجن والطرد من الوظيفة، ومرورا بإغلاق صحف ومطبوعات أنشأها، وانتهاء بسحب الجنسية والنفيّ، ولم ير معركته مجزّأة يوما من الأيام.

عارض الجواهري حركة أيار/ مايو في العراق عام 1941 لتعاطفها مع ألمانيا، وانتخب نائبا فى مجلس النواب عام 1947، لكنه استقال عام 1948 اعتراضا على “معاهدة بورتسموث” مع بريطانيا، على حد قول ابنته.

“بارك بقصائده حركة 14 تموز/ يوليو 1958، وكان مقربا من رئيس الوزراء العراقي آنذاك عبد الكريم قاسم، لكنه اختلف بعد ذلك مع سياسته، فغادر العراق، ولم يعد إلى البلاد حتى عام 1968”.

تقول خيال، إن علاقة والدها لم تكن طيبة مع السلطات آنذاك، رغم تودد النظام له، إذ زاره في البيت الرئيس الراحل أحمد حسن البكر، لكنه غادر العراق عام 1980 بعد تولي صدام حسين السلطة، واختار براغ مقرا لإقامته.

سبب ذلك، أن السفارة الألمانية في بغداد دعته للإقامة في برلين لوجود خطر على حياته، وحين استجاب حطت الطائرة الألمانية في براغ ليرحب وفد من اتحاد الأدباء التشيك بالجواهري، ويخبروه أنهم كانوا وراء دعوته للإقامة في براغ للتمويه على السلطة عبر سفارة ألمانيا في العراق، والتحقت به عائلته بعد ذلك، بحسب خيال.

الحنين إلى الوطن

في فصول سيرة محمد مهدي الجواهري الممتدّة قرابة قرن، استبد الحنين والشوق به كلّما ابتعد عن وطنه، وتضاعف شعوره بعد خروجه الأخير من بغداد، ومجّد التراب والنخل ودجلة والفرات ونجومه وأقماره، لكنه لم يصوّرها رموزا مجرّدة عن وطن لم يطق العيش فيه تحت الاحتلال أو الطغيان أو الاستغلال.

من أجمل القصائد التي قالها “شاعر العرب الأكبر” في الحنين للوطن، هي أبيات قصيدة “يا دجلة الخير”، إذ يُلمس في أبياتها المتلاحمة شوق الجواهري إلى وطنه ودجلته وإلى ضفافها واصطفاق أمواجها، فيقول في مطلع القصيدة:

حـييتُ سـفحكِ عن بعدٍ فحَييني

يا دجلة الـخير يا أمَّ البساتين

حـييتُ سـفحَك ظـمآنًا ألوذ به

لوذ الحمائِم بين الماءِ والطين

أما أجمل أبيات القصيدة:

إني وردتُ عُـيون الماءِ صافية

نَـبعا فـنبعا فما كانت لتَرويني

وأنت يا قاربا تَلوي الرياح بهِ

ليَّ النسائِم أطراف الأفانينِ

اشتهر محمد مهدي الجواهري، بالقبعة التي كان يعتمرها، وقصتها أنه أصيب بنزلة برد حين كان يشارك في مؤتمر أدبي في الاتحاد السوفيتي السابق، ونصحه الأطباء بارتداء غطاء رأس لوجود حساسية في رأسه، فلفتت انتباهه قبعة مخملية كانت معروضة في حانوت المستشفى، فارتداها.

منذ ذلك الحين بقيت تلك القبعة تلازم الجواهري لحين وفاته، ولم يكن يخلعها من رأسه حتى أثناء النوم. ولا تزال عائلته تحتفظ بعدد من تلك القبعات التي كانت تهدى لـ “شاعر القرن” من أوزبكستان وأذربيجان.

في مثل هذا اليوم قبل 25 عاما، توفي الكبير الجواهري في العاصمة السورية دمشق، ولم يوص بدفنه في بلده الأم، فدُفن في “مقبرة الغرباء” هناك في الشام، وكُتب على قبره “يرقد هنا بعيدا عن دجلة الخير”.

شاركها على ...
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول ثقافة