هل ستتخلى إيران عن حلفائها الأفغان مقابل المياه والتجارة مع “طالبان”؟

هل ستتخلى إيران عن حلفائها الأفغان مقابل المياه والتجارة مع “طالبان”؟
أستمع للمادة

تساؤلات كثيرة أثارتها مؤخرا، قضية مقتل القيادي المنشق عن حركة “طالبان” (التنظيم الحالي الحاكم لأفغانستان)، المولوي مهدي مجاهد، عن قيام إيران بتسليمه إلى الحركة مقابل تحسين العلاقة بين الجانبين، خاصة أن غالبية معارضي “طالبان”، يقطنون طهران حاليا بعد سيطرة الحركة على السلطة بأفغانستان.

في الأسبوع الأول من أيلول/سبتمبر 2021، أكدت الحركة سيطرتها بشكل كامل على أفغانستان، ببسط قواتها بولاية بنجشير بأكملها بعد معارك استمرت 6 أيام، وهي آخر منطقة أفغانية كانت مناوئة للحركة؛ بعدها بيوم أعلنت الحركة عن تشكيلة وزارية لتكون حكومة تصريف أعمال في أفغانستان، يشغل مناصبها قياداتها من الصف الأول.

 وزارة الدفاع الأفغانية، أعلنت في بيان رسمي لها، في 17 آب/ أغسطس الفائت، مقتل القيادي المنشق عن حركة “طالبان” المولوي مهدي مجاهد، في ولاية هرات غربي البلاد، أثناء محاولته الهرب إلى إيران، بعد تمرده في ولاية سربول شمالي البلاد.

يعرف عن الحركة الجهادية بأنها من قومية “بشتون” ويتبعون المذهب السني الصوفي، لكن أيضا تضم قيادات من قوميات سنية أخرى، مثل الطاجيك والعرب، وقليل من قومية الهزارة.

لتقوية حسن العلاقة

أغلب المراقبين للوضع الأفغاني، شكك بطريقة القبض على المولوي مهدي مجاهد، بحسب ما ذهب إليه المختص في الشأن الأفغاني، الصحفي عزيز نيكار، خلال حديثه لـ “الحل نت”، لأن مجاهد كان يقطن في إيران منذ فترة، بسبب خلافاته مع “طالبان”، مما جعلهم يعتقدون بأن إيران سلمته لـ “طالبان” على الحدود بين الطرفين، كونها تسعى إلى كسب ثقة “طالبان” ويكون لها نوع من التعاون الاستخباراتي معها، وهذا ما يدفعها إلى التضحية بحلفائها الأفغانيين من المعارضين للحركة.

المولوي مهدي مجاهد، ليس من صقور المعارضين، لكن طهران أرادت من خلاله إيصال رسالة تطمأن بها الحركة، بحسب نيكار، الذي رافق القوات الأفغانية وحلفائها أثناء مواجهة سيطرة “طالبان” على أفغانستان.

 أهداف كثيرة تريدها إيران من “طالبان” أو الحكومة الأفغانية الحالية التي تدار من “طالبان”، أبرزها ضمان تدفق وصول المياه لها؛ لأن ملف المياه من أبرز الملفات لدى طهران، كذلك التبادل التجاري بين البلدين، لأن أفغانستان مليئة بالبضائع الإيرانية.

الخلاف الإيراني الأفغاني حول الماء يتمحور بالأساس حول نهر هلمند، الذي ينبع من جبال هندوكوش في الشمال الشرقي لأفغانستان، ويصب في بحيرة هامون داخل الأراضي الإيرانية، قاطعا ما يزيد عن 1300 كيلومتر، ويعد هذا النهر أهم مورد ماء للبلدين، ومنه سبب الخلاف بينهما حول اقتسام حصصهما من تلك المياه.

المياه في مجال السياسة الخارجية، سبب للتعاون بين الدول كما هي سبب الخلافات والنزاعات، وفق “مركز الجزيرة للدراسات” ومن هنا يعتبر الأمن المائي على المستوى العالمي ذا أهمية كبيرة إلى جانب الأمن الغذائي، والعلاقة المائية بين أفغانستان وجيرانها ألقت بظلالها على العلاقات الدبلوماسية والاستراتيجية، وملف المياه بين أفغانستان وإيران حاضر في كل اللقاءات والزيارات، وحسب مصدر في مجلس الأمن القومي الأفغاني “لا أتذكر أن وفدا إيرانيا جاء إلى كابل ولم يتطرق إلى ملف المياه”.

الملف الآخر الذي تلعب إيران على وتره، هم الأفغانيين الشيعة الذين يعتبرون أقلية قياسا بالطوائف الأخرى، حيث تدعم أبنائهم الذين يقاتلون في سوريا بجانب الجيش السوري، ضمن ما يسمى لواء “فاطميون”.

كما تسعى إلى الحفاظ على عاداتهم وتقاليدهم الدينية في أفغانستان من خلال التفاوض مع “طالبان” بشأنها، لاعتقادها بأن هذه المناسبات الدينية تقوي بينها وبين الأقلية الشيعة، وفق نيكار.

لواء “فاطميون” برز لأول مرة في تشرين الثاني/نوفمبر 2012، في المعارك التي خاضها ضد قوات المعارضة السورية المسلحة، ويتكون قوامه من أفغان كانوا يقيمون كلاجئين على الأراضي الإيرانية، وتم تجنيدهم داخل أفغانستان للقتال في سوريا، وهو إحدى الفصائل التي شملتها العقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية في 24 كانون الثاني/ يناير 2019. وحينها، قال وزير الخزانة الأميركي، ستيفن منوتشين، إن النظام الإيراني يستغل مجتمعات اللاجئين في إيران، ويستخدمهم كدروع بشرية في القتال بسوريا.

“طالبان” تريد من إيران وغيرها من دول جوارها علاقة جيدة والاعتراف بشرعيتها والتعاون مع وزاراتها ومؤسساتها التي تدير البلاد، فبعد خروج قياداتها من كهوف الجبال التي كانت تستقر فيها، والسكن بالمدن والولايات الأفغانية وشغلها مناصب عليا بالبلاد، جعل لكل قيادي رأي ورؤية مختلفة عن الآخر بشأن العلاقات الدولية ومن أبرزها العلاقة مع طهران، على سبيل المثال جناح عبد الغني ملا بردار، الذي ترأس فريق مفاوضات حركته مع الحكومة الأميركية في قطر، قبل توليها السلطة، مع تعزيز العلاقة مع إيران، مبينا أن من أبرز قيادات هذا الجناح وزير الدفاع الحالي، ملا يعقوب بن الملا عمر، الزعيم السابق للحركة.

يقابل هذا التأييد، وفق الصحفي عزيز نيكار، رفض من قيادات أخرى وهي لا تقل وزنا عنهم كسراج حقاني، ليست مستعدة للتعاون مع إيران لاعتقادها بأن طهران لا تريد الاستقرار لأفغانستان، لكن هذا الرفض خلفه أسباب سياسية تتعلق بمحاور إقليمية.

تعرف جماعة أو “شبكة حقاني” التي تحمل نفس اسم قبيلتهم، بأنها فرع أو تنظيم شبه مستقل من حركة “طالبان”، وتنشط في أراضيها بشرق أفغانستان الحدودية مع باكستان، التي تعد الأخيرة الحاضنة والداعمة لهم.

 الولايات المتحدة الأميركية كانت قد خصصت في آذار/مارس الفائت، مكافأة 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن سراج الدين حقاني رئيس “شبكة حقاني”، الذي ظهر للعلن في حفل تخريج دفعة جديدة من عناصر الشرطة في العاصمة كابل، لشغله منصب وزير الداخلية للحكومة الأفغانية المؤقتة.

لا تأثير للمعارضين على العلاقات

لا توجد مقرات في إيران، للأحزاب أو الجهات السياسية الأفغانية المعارضة لـ “طالبان”، وحتى ببقية البلدان الأخرى التي فروا لها، بعد سيطرة الحركة على أفغانستان، بحسب حديث الباحث الأفغاني، فهيم الأمين، لـ “الحل نت”.

الأمين الذي يسكن كابل، استبعد أن يكون لهذه الجهات الأفغانية المعارضة تأثير على العلاقات بين إيران وأفغانستان، وشدد على أن القطيعة ليست من مصلحة الجانبين، لوجود قواسم مشتركة كثيرة فيما بينهم ومنها تاريخية وسياسية ودينية. طالبان متجهة لتشكيل حكومة شاملة لجميع أطياف الشعب الأفغاني، كما سيكون من أولوياتها إقامة علاقات جيدة مع دول جوارها ومنها إيران وبقية دول الأخرى.

اقرأ أيضا: الهزارة الأفغان “ورقة” بيد إيران

إيران وبمختلف مؤسساتها سواء الولائية للمرشد الأعلى أو التابعة للدولة، تدرك جيدا التغيير الكبير الذي حصل بجارتها الشرقية أفغانستان، والذي شمل أربعة محاور منها طهران هي الأقوى فيها، وأخريات ضعيفة أمامها، مما يجعلها تفعل أي شي مقابل كسب رضا السلطة الأفغانية الجديدة.

الحكومة الأفغانية بقيادة “طالبان” ستتفاوض معها على محور المياه (المحور الأول) مقابل شرعية الحكم والاعتراف بنظامها، لأنه لو قطعت كابل تدفق المياه لإيران، يجعل أكثر من مليون نسمة يسكنون في المحافظات الشرقية الإيرانية في معرض خطر فقدان المياه الصالحة للشرب وهذا يهدد بنزوح جماعي لسكان منطقة سيستان وبلوشتسان، وهذا ما حذر منه وزير الخارجية الإيراني أمير عبد اللهيان خلال محادثة هاتفية مع القائم بأعمال وزير خارجية “طالبان” في أبريل/نيسان الفائت، بأن التلاعب بالمياه سيكون لها آثار سلبية على تعاونها مع أفغانستان.

المحور الثاني متعلق بالتجارة والتصدير سابقا خاصة منذ 2001 الى 2021 كانت المتسيدة اقتصاديا في أفغانستان، لكن هذه السيطرة بدأت تنخفض، ليس بسبب العقوبات الاقتصادية على طهران، إنما لدخول ثلاث دول كبيرة بسوق المنافسة التجارية بكابل، وهي الصين والهند وباكستان.

على الرغم من أن ماكينة الإعلام الإيرانية تحاول زعزعة العلاقة بين “طالبان” وإسلام آباد بحجة دعم الأخيرة لتنظيم “داعش” الإرهابي الذي يزعزع أمن الحكومة الأفغانية، لكن الواقع مختلف عن طموح الدولة الفارسية بأن باكستان هي الأقوى سياسيا وعسكريا واقتصاديا بالسوق الأفغاني، أما الصين والهند فبضائعهم غزت العالم ومنها دول جوارهم.

المحور الثالث يتضمن الملف الأمني الذي تعتقد طهران بأنها تستطيع إجبار الحكومة الأفغانية الجديدة على تحقيق ما تريده، لفتح أبوابها لمعارضيهم، كما حصل سابقا عندما لجأ قيادات “طالبان” لإيران في 2001، فاليوم أغلب المعارضين خاصة الشيعة منهم يقطنون مدينة مشهد وتدعم أبنائهم الباقين في أفغانستان على أمل تشكيل “حشد شعبي” لهم على غرار الحشد في العراق.

الملف الأخير، هو غير مستبعد بنشوء علاقة بين السلطات الأفغانية الجديدة وخصوم إيران مثل الولايات المتحدة الأميركية ببناء قواعد عسكرية لغرض تدريب القوات الأفغانية على القتال ضد الإرهاب، خاصة خلال الأيام الماضية، حيث قررت واشنطن إعادة بعض الأموال المجمدة إلى أفغانستان، مما أعطى مؤشرا بنجاح حكومة “طالبان” بالخروج من العزلة الدولية التي تعيشيها ومنها مع أميركا؛ أو التعاون مع إسرائيل، على الرغم من أنه لم يتبادل الجانبين ذلك رسميا.

مشاکل إيران مع أفغانستان تتلخص في إدارة مواردهما المائية المشتركة في السدود الأفغانية التي تدشنها كابل على أنهار عدة تصل روافدها إلى إيران، بحسب تقرير لموقع قناة “الجزيرة”، ومن أهم هذه الأنهار هو نهر هلمند الذي ينبع من جبال أفغانستان ويصب في بحيرة هامون المشتركة مع إيران.

 إصرار أفغانستان على بناء عدة سدود على أنهارها المشتركة مع إيران، يثير استياء الأخيرة. وقد لجأت أفغانستان مؤخرا إلى الاستعانة بخبرات تركية على هذا الصعيد. وتعتبر إيران أن هذه السدود تحول دون الاستفادة من مياه الأنهار القادمة إليها من الداخل الأفغاني وحاولت طهران من خلال أوراق ضغط في الداخل الأفغاني الضغط على الحكومة للعدول عن قرار إنشاء مثل هذه السدود، وكان آخرها سد “كمال خان” بولاية نيمروز بالقرب من الحدود الإيرانية، الذي جرى افتتاحه في آذار/مارس 2021، حيث بلغت تكلفة تشييده 78 مليون دولار، واستغرق بناؤه 4 أعوام، كانت مليئة بالشد والجذب بين الدولتين بشأن تأثيره على حصة إيران من المياه.

قد يهمك: إيران في أفغانستان: هل ستدعم طهران معارضي طالبان الأكثر تطرفاً؟

الأنهار الأفغانية، وخاصة نهر هلمند تلعب دورا جيوسياسيا كبيرا في العلاقات بين البلدين، وتستطيع أفغانستان أن تستخدم المياه أداة سياسية واقتصادية في علاقاتها مع إيران وجيرانها خاصة أن 95 بالمئة من المياه تتدفق داخل الأراضي الأفغانية.

شاركها على ...
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير