في أعقاب تدهور الأوضاع المعيشية بسوريا تظهر بين الحين والآخر مِهنٌ جديدة بين النساء السوريات تتنوع وتختلف حسب الحاجة، فمنها ما هو موسمي ومنها الدائم، وتبدو هذه المِهن غريبةً على المجتمع السوري نوعا ما، مثل بيع الدخان والعسل على الأكشاك، والمازوت والبنزين والخبز على الطرقات، إضافة إلى انتشار ظاهرة “المطابخ المنزلية”، إضافة إلى التسويق الإلكتروني والعمل من المنزل.

اللافت هذه المرة أن البعض يلجأ إلى العمل كـ “فاليه باركينغ” في شركات المواقف المدفوعة الأجر للسيارات، والعمل كمساعدة في إحدى حافلات النقل الداخلي، حيث أصبحت هذه المشاهد مألوفة لدى شريحة كبيرة من المجتمع السوري من النساء العاملات في مِهن قاسية لم يعتادوا على ممارستها، فرضتها عليهنّ الظروف الاقتصادية القاهرة.

مِهن جديدة للنساء

في إطار عمل النساء في أعمال جديدة وغريبة نوعا ما، تعمل شابة في مقتبل العمر، لا يتجاوز عمرها العشرين عاما، كمساعدة في إحدى باصات النقل الداخلي العاملة على خط جديدة عرطوز، بدوام كامل، ابتداء من الساعة التاسعة صباحا ويستمر حتى العاشرة مساءً.

Syrians gather on the first day of the Eid al-Adha Muslim holiday in al-Qamariya street in old Damascus on June 28, 2023. (Photo by LOUAI BESHARA / AFP)

هذا العمل الشاق كله مقابل عشرين ألف ليرة يوميا، إلا أن الشابة ترى في هذا العمل فرصة مناسبة لكسب بعض المال والعيش بكرامة، كونها مسؤولة عن إعالة أسرتها بعد وفاة والدها، حسبما أوردته صحيفة “البعث” المحلية يوم أمس الإثنين.

على الرغم من الجهد الكبير الذي تتكبّده هذه الفتاة، وخصوصية العمل بحدِّ ذاته، خاصة وأنها مضطرة للاحتكاك المباشر مع الركاب وتحمّل نزق البعض منهم، فهي لا تكاد تصمت طيلة النهار مرددة سؤالها الاعتيادي “مين لسا ما دفع؟ ومين زدلو معنا؟”، ومن جهة أخرى اضطرارها في بعض الأحيان لمرافقة السائق إلى محلات تصليح السيارات كونها تسكن في ريف دمشق، ما يشكّل عائقا بأن ترجع إلى منزلها حتى إصلاح العطل.

أما تجربة نادية التي تعمل في إحدى شركات المواقف المأجورة، فهي الأخرى تعاني ما تعانيه، لا سيما وأن عملها لا يخلو من صعوبات كثيرة، لافتة للصحيفة المحلية إلى أن ورديتها تبدأ عند التاسعة صباحا وتنتهي بحدود الثالثة ظهرا براتبٍ لا يتجاوز 130 ألف ليرة سورية، وهو أجر ضئيل مقارنة بالواقع المعيشي البائس في سوريا.

نادية، أردفت أنها في بعض الأحيان قد تعمل لساعات إضافية مأجورة ضمن وردية جديدة. وعن عملها كـ”فاليه” أوضحت أنها بدأت رحلتها مع هذه المهنة منذ حوالي ثلاث سنوات، أي بعد تقاعدها، كونها معيلة لأخواتها وأولادهنّ، وعلى الرغم من كل الصعوبات التي تمر بها أثناء العمل، إن كان لجهة التعامل مع الزبائن أو لجهة طبيعة العمل نفسه، إلا أنها مضطرة للاستمرار به، وتحمّل تصرفات وأفعال بعض الزبائن الغاضبة، نظرا لعدم وجود فرص عمل في البلاد بشكل عام.

تجاوزات بحق العمال

نتيجة تصرفات بعض الزبائن، تدفع نادية في كثير من الأحيان ضريبتها، كما حصل معها مؤخرا عندما غرّمتها الشركة وخصمت من راتبها لمدة ثمانية أشهر مبلغ 12500 ثمن جهاز قام أحد الزبائن بكسره “كسر قيد المركبة” بعد أن حجزت سيارته، لرفضه دفع الإيصال.

رغم وجود الكاميرات، إلا أن الشركات تغرّم موظفيها، وتضيف نادية هنا “لماذا يتوجب عليّ أن أدفع ثمن الجهاز الذي كُسِرَ، علما أن هناك كاميرات يمكن من خلالها الحصول على رقم السيارة عن طريق المرور وبالتالي تغريمه هو”.

التجاوزات بحق الموظفين والعمال في سوريا ليس بأمر جديد، ففي ظل عدم وجود قوانين ناظمة تحفظ حق هؤلاء، فضلا عن عدم تقيّد الكثيرين ولا سيما المتنفذين والأغنياء بالقوانين، فإن الحال بات صعبا على الطبقة الفقيرة والمهمشة.

السيدة ذاتها تشير إلى أن المصاعب كثيرة في هذا العمل، فقد يحجز أحدهم موقفا لسيارته ويهرب، مستَغِّلا غيابها لانشغالها مع زبائن آخرين، وهذا ما يتكرر كثيرا كونها مسؤولة عن نسقٍ كامل وآخر فرعي، ما يضطرها إلى أن تدفع من جيبها الخاص في مثل هذه الحالات.، طبقا لما ورد في التقرير المحلي.

الحقوق المهضومة لأولئك العمال البسطاء المتعاقدين مع بعض الشركات على اختلاف طبيعتها، والذين ورغم حفنات المال القليلة “المُسماة راتبا” التي يتقاضونها يُجبرون في كثير من الأحيان على الدفع من جيبهم الخاص، وبمجرد حصول أي خطأ قد لا يكون لهم به أي ذنب، وهو ما يتطلب من الحكومة وضع قوانين ورقابة صارمة على حقوق العمال والموظفين بشكل عام في البلاد.

مِهن غريبة أفرزتها الحرب

في سياق لجوء نسبة كبيرة من السيدات السوريات إلى العمل بمِهن تبدو غريبة، تقول السيدة ميادة وهي أم لثلاثة أطفال لصحيفة “تشرين” المحلية، مؤخرا، أن “الحاجة المادية هي أهم الأسباب التي تدفع المرأة للعمل جنبا إلى جنب مع الرجل”، مشيرة إلى أنها تعمل في جني الأعشاب من غابات قريتها، باب جنة التابعة لناحية صلنفة في الساحل السوري.

ميادة، أردفت في حديثها عن عملها “في البداية لم يكن جني الأعشاب مهنة، لكن بسبب الإقبال المتزايد عليها أصبح ذلك مصدر رزق لي ولعائلتي”، مشيرة إلى أن جني الأعشاب يتطلب خبرة ودراسة في أصنافها وأنواعها التي هي تعلّمتها من والدها، حيث إن قرية باب جنة جبلية ووفيرة المياه، ما ساعد على وجود وتنوع أصناف هذه الأعشاب حيث ينمو أغلبها قرب الأنهار والينابيع.

كما وتعمل السيدة صفاء ببيع الفستق على عربة صغيرة في شوارع العاصمة دمشق لتأمين مصدر رزق لها ولأسرتها وسط تردي الأوضاع المعيشية. فمنذ حوالي ثمانية أشهر، قررت السيدة بمساعدة إحدى صديقاتها البدء في بيع الفستق وتقول لموقع “سناك سوري” المحلي، مؤخرا أنها “اقترضت مبلغا من المال من صديقة لشراء العرباية والمواد الأولية اللازمة لها”، كما تقول السيدة صفاء.

تعمل صفاء أكثر من 12 ساعة خلال اليوم بلا كلل أو ملل، تؤدي وظيفتها التي اختارتها بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة. وتقدم “قبوع” الفستق لمشتريه كما تقدم الطعام لأطفالها الثلاثة.

كذلك، تقف أمام آلة القهوة على الرصيف الحجري وعلى بعد أميال من مول كفرسوسة في دمشق، الشابة سلوى، 26 عاما لتبيع القهوة وغيرها من المشروبات الساخنة بهمة ونشاط لا ينقطعان طوال ثلاث عشرة ساعة من العمل. تبدأ سلوى عملها منذ الساعة التاسعة صباحا. وتصل إلى المنطقة التي اختارتها لتضع فيها آلة القهوة على دراجتها الهوائية قادمة من منزلها في منطقة الزاهرة.

نتيجة للغلاء المعيشي المهول، وفي ظل تدني الرواتب والمداخيل، اتجهت نسبة كبير من الجامعيين للعمل في أعمال تبدو غريبة على المجتمع السوري، مثل تنظيف البيوت أو العمل في المعامل والمِهن الحرفية أو التجارة اليدوية الحرة، كتصميم حرفيات خزفية سواء خشبية أو فضة وبيعها للمحال التجارية. كما يوجد بعض الشباب الجامعيين يعملون في بيع الخضار أو الفواكه أو أي مهنة أخرى في الأسواق، أو حتى سائق “تاكسي” أو عامل في مطعم، بغية إعالة أنفسهم وأُسرهم، وتغيير واقعهم الاقتصادي الهش إلى مستويات تتناسب مع الواقع المعيشي الصعب الراهن.

كما أن البعض يعمل في المطاعم والفنادق طمعا بوجود البقشيش والإكراميات، إذ غالبا ما يترك الزبون هامشا من المال على الطاولة للعامل.

إذ يقول أحد العاملين في مطاعم دمشق القديمة إنه لولا الإكراميات التي يأخذها من الزبائن في المطعم، لكان قد ترك وظيفته، نظرا لأن الراتب ضعيف، وما يشجعه على البقاء هو موضوع البقشيش، وفي معظم الأحيان يكون البقشيش أكثر من الراتب نفسه.

غياب فرص العمل الجيدة، دفع نسبة كبيرة من الشعب السوري، وخاصة فئة الشباب، إلى التوجه نحو الأعمال الخاصة رغم صعوبة ذلك. لكن تحويل الوظيفة الحكومية إلى مجرد مضيعة للوقت، بحسب آراء معظم الشباب داخل سوريا، عزز قدرتهم على العمل في وظائف أخرى، يكون مردودها المادي أفضل من الحكومي.

هذا ويكافح هؤلاء والشباب وتلك السيدات، ويواجهون الصعوبات الاقتصادية وتشغلهم هموم الحياة بغية تأمين قوت يومهم الذي يحتاج لكثير من الجهد والروية والإصرار. ويبدو أن ثمة مِهنٌ أخرى ما زالت الأزمة السورية ستكشف عنها في الفترات المقبلة مع تدهور الوضع الاقتصادي الذي ليس هناك ما يؤشر بوجود تحسّن أو انفراجة فيه.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات