يبدو أن دائرة تداعيات قرار المحكمة الاتحادية العليا (أعلى سلطة قضائية في العراق) بإلغاء اتفاقية “خور عبدالله” الخاصة بتنظيم الملاحة البحرية بمياه الخليج العربي مع الكويت، في طريقها للاتساع، بما قد يعيد التوتر إلى العلاقات العراقية الخليجية بشكل عام، وذلك بعد إصدار “المجلس الوزاري” لدول “مجلس التعاون الخليجي” موقفا مشتركا تجاه بغداد، موجها دعوة عاجلة لمعالجة الآثار السلبية لقرار القضاء العراقي.

دول “مجلس التعاون الخليجي”، دعت العراق إلى اتخاذ خطوات عاجلة لمعالجة التداعيات السلبية لقرار المحكمة العليا بشأن الاتفاقية المبرمة مع الكويت لتنظيم الملاحة في “خور عبد الله”، والتي نقضتها المحكمة الاتحادية العليا العراقية في الرابع من الشهر الجاري، حيث كانت المحكمة قد أقرّت عدم دستورية التصديق على الاتفاقية بين العراق والكويت، الأمر الذي دفع الكويت لتسليم بغداد مذكرة احتجاج.

فبعد رسالة الاحتجاج التي سلّمتها الكويت إلى بغداد، اتخذت الكويت مسارا تصعيديا ضد العراق يهدف إلى محاصرته بالضغوط لإجباره على العودة إلى اتفاقية “خور عبدالله”، إذ دفع وزراء خارجية “مجلس التعاون الخليجي” إلى الإعلان عن رفضهم لأي انتهاك لسيادة الكويت من قِبل العراق، وذلك خلال الاجتماع التنسيقي السنوي لـ “لمجلس الوزاري” لوزراء خارجية دول “مجلس التعاون الخليجي” الذي عُقد مساء الأحد الماضي، في نيويورك على هامش أعمال الدورة الـ 78 لـ “لجمعية العامة للأمم المتحدة”.

الكويت تلجأ لدول الخليج بخلافها مع العراق

إذ أحاط وزير الخارجية الكويتي الشيخ سالم الصباح، وزراء الخارجية الخليجيين بحيثيات الحُكم الصادر عن المحكمة الاتحادية العليا في العراق حول الاتفاقية المبرمة بين الكويت والعراق بشأن تنظيم الملاحة البحرية في “خور عبد الله”، والتي تم التصديق عليها من قِبل البلدين وإيداعها لدى “الأمم المتحدة”، بغية “تنسيق الموقف الخليجي الموحد في هذا الإطار تكريسا وتعزيزا للمسيرة التاريخية للعمل الخليجي المشترك”.

وزراء دول “مجلس التعاون” الخليجي/ إنترنت + وكالات

على هذا الأساس، قال وزراء دول “مجلس التعاون الخليجي” في بيان صُدر عقب الاجتماع التنسيقي لـ “مجلس الوزاري”، إن الحُكم تضمن حيثيات تاريخية غير دقيقة خارج السياق بشأن الاتفاقية المبرمة عام 2012 بين دولة الكويت وجمهورية العراق، المتعلقة بتنظيم الملاحة البحرية في “خور عبد الله”، والتي تم التصديق عليها من قِبل الجانب العراقي عام 2013 وتم إيداعها لدى “الأمم المتحدة”، مؤكدا أن هذه التطورات لا تخدم العلاقات مع دول “مجلس التعاون”، وتخالف المواثيق والمعاهدات والاتفاقيات الدولية بما فيها قرار 833 الصادر عن “مجلس الأمن” الدولي.

بين العراق والكويت العديد من الملفات العالقة منذ عقود، لا سيما ملفات مصيرية من شأنها أن تدخل البلدين في صراعات جديدة تؤثر على العلاقات الثنائية التي شهدت تحسّنا حتى على المستوى الرسمي بين البلدين، ومن بين تلك الملفات اتفاقية “خور عبدالله”، التي وقِّعت بين الجانبين عام 2013، إبان حكم رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، والتي قضت المحكمة الاتحادية مؤخرا، ببطلانها لمخالفتها أحكام المادة 61 من الدستور العراقي.

إذ تنص المادة الدستورية على أن تنظّم عملية المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية بقانون يسنّ بأغلبية ثلثي أعضاء “البرلمان”، وهو ما لم يتحقق في توقيع اتفاقية “خور عبدالله”، الأمر الذي ربما سيخلق أزمة وتوترا جديدا ما بين العراق والكويت، لاسيما بعد الموقف الخليجي الموحد الذي حمل رسائل عدة، وفق مراقبين.

فالموقف الذي صُدر من قبل دول “مجلس التعاون الخليجي” يمثل رسالة مرنة إلى العراق، بأن على بغداد أن تضع في حساباتها مستوى العلاقة المتنامية مع هذه الكتلة العربية، المتمثلة بالدول الخليجية، ومديات هذه العلاقة بما يدفعها في مسارها الصحيح، كما يرى رئيس “مركز التفكير السياسي” إحسان الشمري.

العراق وسيناريوهات عصيبة بسبب اتفاق “خور عبدالله”

الشمري وفي حديث لموقع “الحل نت”، أشار إلى أن الموقف الخليجي حمل أيضا رسالة من جانب ثان، وهي رسالة تحذيرية مرنة، مما يجب على بغداد أن تأخذ ذلك بنظر الاعتبار كسلطات رسمية، لاسيما وأن تداعيات قرار المحكمة الاتحادية ستترتب عليه آثار كبيرة جدا، ما لم يبطل العراق القرار، أو إيجاد صيغة لاستكمال التزاماته الدولية، فإذا لم يتم تدارك ذلك، فقد يؤدي إلى فتور في العلاقة ما بين العراق والدول الخليجية العربية.

المحكمة الاتحادية العليا في العراق/ إنترنت + وكالات

خصوصا، أن الأمر لا يقتصر فقط على الكويت، وإنما قد تكون له تداعيات على مستوى المنظومة الخليجية بشكل عام، إذ ستنظر هذه المنظومة إلى العراق على أنه لا يحترم اتفاقياته أو حتى لا يأخذ بعين الاعتبار طبيعة الدعم اللامحدود الذي تقدمه هذه الدول الخليجية له، بالتالي قد يتجه الأمر إلى اتخاذ عدة خطوات من قبل الدول العربية تجاه العراق، وفق الشمري.

أستاذ العلوم السياسية في “جامعة بغداد”، لفت إلى أن مستوى الموقف الخليجي ما لم يتحرك العراق لأخذه بعين الاعتبار، قد يتطور إلى مستوى حالة التعامل مع لبنان، حيث سحبت المنظومة الخليجية السفراء من لبنان، أو قد تتجه إلى تخفيض التمثيل الدبلوماسي، إذ إن هذا الأمر وارد جدا، مما يعني عزل العراق عن محيطه الخليجي.

من جانب آخر، لفت الشمري، إلى أن تلك الاحتمالات ليست وحدها التي تمتلك الدول الخليجية، بل أن هذه المنظومة الخليجية قد تتخذ خيار اللجوء إلى المنظمات الدولية، مثل “جامعة الدول العربية”، و”الأمم المتحدة”، كما أنه من المتوقع أن يكون للكويت موقفا من خلال “مجلس الأمن” الدولي، بأن العراق لم يلتزم بتعهداته في الالتزام بالقرارات الصادرة عن “مجلس الأمن”، وهذا من شأنه قد يعيد العراق تحت طائلة البند السابع.

أما عن الأضرار التي يمكن أن يتحملها العراق في حال أي تصعيد خليجي ضده، بيّن الشمري، أن أضرارا كارثية ستكون نتيجة ذلك، تتمثل بأن العراق ومن خلال هذا التوجه سينسف كل مستويات العلاقة مع دول الخليج العربي، بل سيؤدي سلك ذلك المسار إلى ضرب رصيد العلاقات المتبادلة والتي بدأت في تحسينها منذ العام 2017 وحتى الآن.

كما أن مستويات الدعم السياسي والاقتصادي وحتى الأمني ستخضع لإعادة تقيم من قبل المنظومة الخليجية، مما يعني تضرر العراق، بالإضافة إلى ذلك، فإن من أكبر الأضرار التي سيتحمّلها العراق خسارة الجانب الاستثماري الذي يشهد توجها من قبل السعودية وقطر والإمارات وحتى الكويت ذاتها لضخ أموال كبيرة في الداخل العراقي، بحسب الشمري.

اتفاقية “خور عبدالله” والكارثة الكبرى

في ختام حديثه، اعتبر أستاذ العلوم السياسية في “جامعة بغداد”، أن خسارة بغداد للمنظومة الخليجية تُعد أكبر كارثة ستحلّ عليها، وهو ما يتطلب موقفا حكوميا، إذ لا تزال الحكومة تلتزم الصمت بشكل غير مبرر، مما قد يحمّلها نتائج وخيمة.

خور عبدالله/ (AP)

“اتفاقية خور عبدالله” التي تنظّم الملاحة البحرية في “خور عبدالله”؛ هي اتفاقية دولية حدودية بين العراق والكويت، تم التصديق عليها في العراق، تنفيذا لقرار “مجلس الأمن” الدولي رقم 833 لعام 1993 بعد الغزو العراقي للكويت سنة 1990، واستكمالا لإجراءات ترسيم الحدود بين البلدين، ووضع تحديد دقيق لإحداثياتها على أساس الاتفاق المبرم بين البلدين بعد استقلال الكويت عام 1961.

هذه الاتفاقية قد أدت إلى تقسيم “ميناء خور عبد الله” الواقع في أقصى شمال الخليج العربي بين شبه جزيرة الفاو العراقية، وكل من جزيرتي بوبيان، ووربة، الكويتيين بين البلدين، كما تنصّ أيضا على عدم رفع أي علم آخر على السفن التي تحمل جنسية أحد الطرفين المتعاقدين غير علم جنسيتها خلال مرورها في المياه الإقليمية للطرف الآخر عند استخدامها القناة. 

أما السفن الأجنبية فملزمة برفع علم بلدها فقط، على أن تنطبق أحكام هذا الاتفاق على السفن الحربية وخفر السواحل لكلا الطرفين، وأن يعمل كل طرف على منع الصيادين من العمل في جزء الآخر للممر الملاحي، كما يفرض تعاون الطرفين للمحافظة على البيئة البحرية من مخاطر التلوث مهما كان نوعه والعمل على مكافحته والتخلص من آثاره.

كما أن الاتفاقية تنصّ على أنها تبقى سارية المفعول لمدة غير محددة ويجوز لكل طرف إنهائها بإشعار كتابي من الطرف الآخر لمدة ستة أشهر، على أن يتم الانهاء “بموافقة الطرفين، وكذلك يجوز تعديلها باتفاق الطرفين أيضا، غير أن القرار القضائي الصادر عن المحكمة الاتحادية العراقية، يعني ضمنيا انسحابا من الاتفاقية من طرف واحد، بما يمنع الحكومة العراقية و”البرلمان” من الاستناد إلى الاتفاقية في أي إجراء تتخذه بغداد مع دولة الكويت.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات

الأكثر قراءة