في ظلّ تدهور قيمة الليرة السورية بشكلٍ مُلحوظ، وارتفاع معدلات التضخم بشكلٍ غير مسبوق، باتت القوة الشرائية للرواتب ضعيفة للغاية، ممّا فاقم من معاناة الشعب السوري.

وفي سياق البحث عن حلولٍ لمعالجة هذه الأزمة، قدّم خبير اقتصادي سوريّ اقتراحاً ثورياً، يقضي بتثبيت رواتب الموظفين في سوريا بالدولار الأميركيّ عوضًا عن العملة المحلية.

أثار هذا الاقتراح جدلاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية والشعبية، حيث تساءل الكثيرون عن جدوى هذا الحلّ وفعاليته في ظلّ الظروف الراهنة. فهل سيُصبح الدولار ملاذاً آمناً لرواتب السوريين؟ وهل سيُساهم هذا الاقتراح في تحسين القوة الشرائية والدخل بشكلٍ عام؟

حلٌّ جذري لأزمة الرواتب

يُواجه الاقتصاد السوريّ تحدياتٍ هائلة، من أبرزها التضخم النقديّ المتزايد، وانخفاض قيمة الليرة السورية بشكلٍ كبير. وفي سياق البحث عن حلولٍ لهذه الأزمة، طرح الخبير الاقتصاديّ، جورج خزام، فكرةً عبر منشوره على “فيسبوك”: “بدولرة الاقتصاد الوطنيّ”.

متظاهرون سوريون يحرقون الأوراق النقدية بالليرة السورية. (تصوير أنس الخربوطلي/غيتي)

يُؤكّد خزام، أنّ “التضخم النقديّ لا يُشكل خطراً على الإنتاج والاستهلاك وحركة الأسواق والاقتصاد الوطنيّ ككلّ، إلاّ في حال بقيت العملة المحلية (الليرة السورية) هي العملة الأساسية للتداول”.

ويُضيف: “أسوأ ما يُصيب الرواتب والدخل بشكلٍ عامّ هو تراجع القوة الشرائية”. كما يُوضّح خزام كيف أنّ “ثبات الرواتب بالليرة السورية مع ارتفاع سعر صرف الدولار يُؤدّي إلى تراجع الطلب والاستهلاك وانهيار الليرة السورية”.

خزام اقترح، تثبيت الرواتب بالدولار مع تثبيت إيرادات الخزينة العامة والضرائب وفواتير الماء والكهرباء وأسعار المحروقات، وكذلك أسعار البضائع.

هذا الحلّ وفق رؤية الخبير الاقتصادي سيُؤدّي إلى حماية القوة الشرائية للرواتب والدخل بشكلٍ عامّ، ولن يُؤثّر أيّ تقلبّ بسعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية على القدرة الشرائية للمواطنين.

هل الدولار هو الحلّ؟

أهمية الثبات في مواجهة التقلبات هو العنوان الذي لم تصل له الحكومة السورية منذ عام 2011 حتى الآن. الاستقرار في كمية الاستهلاك والطلب يُعد ركيزة أساسية لضمان ثبات الإنتاج، وهو ما يُمثّل درعاً واقياً للحفاظ على “الاقتصاد الوطني” وصمود الليرة السورية في وجه العواصف التي قد يثيرها التضخم النقدي.

من جانبه، يُلقي خزام الضوء على مسألة التسعير بالعملة الصعبة (الدولار)، مُشدّداً على أن هذه الآلية لا تُعتبر، بأي حال من الأحوال، تلاعباً بقيمة الليرة السورية. بل هي مجرد انعكاس للتغيرات في حجم الليرة المتداولة، وهو تغيير لا يمسّ جوهر “الاقتصاد السوري” بل يُعبّر عن مرونة السوق في استيعاب الصدمات الاقتصادية.

وختم الخبير الاقتصادي بالقول: “إن أحد أهم الأدوات في السياسات المالية والنقدية (وليس السياسات الاقتصادية) لمحاربة التضخم النقدي، هو إلغاء قرار تجريم التعامل بالدولار”.

انهيار الليرة السورية

بين مطرقة الفشل وسندان المراسيم، لا يزال الاقتصاد السوريّ يرزح تحت وطأة الأزمات، في ظلّ سيطرة شخصيات بعيدة كل البُعد عن الواقع داخل الحكومة السورية من جهة، وتراجع قيمة الليرة السورية من جهة أخرى.

 في 20 من كانون الثاني/يناير الماضي، صُدر مرسومان سابقاً يحملان الرقمين 5 و 6، أثاراً جدلاً واسعاً بين الخبراء والمختصّين. إذ يُتيح المرسوم رقم 5 للمدّعى عليهم في قضايا التعامل بغير الليرة السورية، تسوية أوضاعهم أمام القضاء، مقابل دفع غرامات مالية، لتسقط عنهم عقوبة السجن التي قد تصل في بعض الحالات إلى أكثر من 7 سنوات.

وبينما يُنظر إلى هذا المرسوم على أنه خطوةٌ لتعزيز سيادة الدولة على عملتها الوطنية، يرى البعض الآخر أنه يُشجّع على التخلّف عن القانون، ممّا قد يُؤدّي إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية.

كما يُشدّد المرسوم رقم 6 العقوبات على مَن يزاول مهنة الصرافة ونقل أو تحويل العملات الأجنبية أو الوطنية بين سوريا والخارج دون ترخيص.

يهدف هذا المرسوم إلى تنظيم عمل الصرافة ومكافحة التهريب وغسيل الأموال. ولكن يُثير بعض الخبراء مخاوف من أن يؤدّي هذا المرسوم إلى زيادة المضاربات في السوق السوداء، ممّا قد يُؤدّي إلى مزيد من التراجع في قيمة الليرة السورية.

الحكومة السورية بدورها أصدرت سابقا مرسومًا بزيادة الرواتب والأجور بنسبة 50 بالمئة، تزامنًا مع رفع أسعار الخبز والمحروقات بنسبة 100 بالمئة. هذه الزيادة وصفها الاقتصاديون بأنها “وهمية” ولن تُساهم في تحسين الوضع المعيشي للمواطنين.

وفعلا هذه الزيادة وكما حذّر الخبراء، أدت إلى المزيد من التضخم وانهيار قيمة الليرة السورية، ممّا زاد من معاناة الشعب السوريّ.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات