اعتقال مدلول العزيز و”عدو الغوطتين”.. هل تحاول دمشق التغطية على فشلها الأمني؟

خلال الأيام الماضية، كثفت الحكومة السورية الجديدة من حملاتها ضد رموز النظام السابق، كان أبرزها مؤخرا اعتقال وسيم الأسد، المتورط في العديد من الجرائم والانتهاكات. كما اعتقل اليوم عضو “مجلس الشعب” السابق مدلول العزيز.

في حين ثمة أنباء عن توقيف طيار بارز مدرج على قوائم العقوبات الأوروبية والبريطانية، تولّى سابقا قيادة فرقة جوية وأصدر أوامر بقصف مناطق الغوطة بدمشق وريفها.

هذا وكانت السلطات السورية، قد أعلنت أمس الثلاثاء، القبض على جنرال كان مسؤولا عن أحد حواجز الموت شمال دمشق خلال حقبة الأسد.

وبيّنت السلطات اعتقال اللواء موفق نظير حيدر، الذي كان قائد “الفرقة الثالثة مدرعات” في قوات النظام السابق، والمسؤول المباشر عن حاجز القطيفة المعروف بـ”حاجز الموت”، على الطريق الدولي دمشق – حمص، والقريب من مقر “الفرقة الثالثة” أحد أقوى التشكيلات العسكرية. وكان هذا اللواء أيضا مسؤولا عن تغييب وإخفاء آلاف السوريين.

في ضوء ذلك، ثمة تساؤل ملح هنا، ما الذي يقف وراء هذه الاعتقالات لرجالات نظام الأسد السابق خلال اليومين الحاليين، بالتزامن مع تفجير كنيسة مار إلياس في دمشق، الذي كشف عن فشل أمني واضح في أداء أجهزة الأمن السورية الجديدة بقيادة السلطة الانتقالية، وعلى رأسهم أحمد الشرع.

مدلول العزيز وميزر صوان

أكد مصدر أمني لقناة “الإخبارية السورية” أن جهاز الأمن الداخلي ألقى القبض على مدلول العزيز، المتهم بقضايا أمنية وفساد مالي. 

ويأتي اعتقال العزيز بعد نحو خمسة أيام من انتشار تسجيل صوتي يهدد فيه ناشطا إعلاميا بقطع أصابعه، على خلفية منشورات ناقدة له نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، وفق بعض المصادر الصحفية.

وقد أثار التسجيل استياءً واسعا بين الأوساط السورية، ولا سيما أن سجل العزيز حافل بالانتهاكات والجرائم، خلال فترة تولّيه قيادة ميليشيا تابعة للمخابرات الجوية في عهد النظام السابق.

بالتوازي مع ذلك، أعلنت “وزارة الداخلية السورية”، اليوم الأربعاء، توقيف اللواء الطيار ميزر صوان، الملب بـ”عدو الغوطتين”، والمدرج على قوائم العقوبات الدولية، منها قائمة “الاتحاد الأوروبي” والمملكة المتحدة، بتهم تتعلق بقيادة عمليات قصف جوي استهدفت مناطق مدنية، خلال النزاع السوري.

ويتهم صوان أيضا بإصدار أوامر مباشرة لقصف الغوطة الشرقية والغربية، ما أكسبه لقب “عدو الغوطتين” في أوساط الناشطين والضحايا.

وجاء اعتقال صوان في إطار حملة أوسع تستهدف رموز النظام السابق، وفق ما قالته “الداخلية السورية” عبر بيان منشور على حسابها الرسمي عبر منصة “فيسبوك”.

“تغطية على الفشل الأمني”

يرى مراقبون أن توقيت إعلان السلطات السورية عن اعتقال شخصيات مهمة من النظام السابق، والمتهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق السوريين، ليس عفويا أو صدفة، بل يأتي لغض الطرف عن التفجير الإرهابي الذي استهدف كنيسة مار إلياس في الدويلعة بدمشق، يوم الأحد الماضي.

فالتفجير، الذي خلف عشرات الضحايا والجرحى، كشف حجم الثغرات الأمنية في العاصمة، ويظهر فشل الأجهزة الأمنية السورية الجديدة في ضبط الأمن والثقة تجاه هذه “المنظومة الأمنية”، خاصة في ظل التناقضات التي رافقت إعلان الجهة المسؤولة عن التفجير.

من داخل كنيسة مار إلياس في دمشق تصوير مراسلة “الحل نت” حنان دعدوش

وفي حين أعلنت “وزارة الداخلية السورية” أن تنظيم “داعش” هو من نفذ الهجوم، وأكدت اعتقال الخلية المنفذة أمس الثلاثاء، كان تنظيم “سرايا أنصار السنة” قد تبنت العملية، مما أثار موجة تشكيك بين السوريين تجاه رواية السلطات بدمشق.

وأعاد هذا التشكك طرح تساؤلات حول هوية الجهات الفاعلة أمنيا في دمشق، خاصة أن تنظيم “سرايا أنصار السنة” يعتقد أنه تشكل من حاضنة جماعة “هيئة تحرير الشام”، التي يقودها رئيس الحكومة السورية المؤقتة أحمد الشرع، ما دفع البعض إلى الاعتقاد بأن السلطات تحاول الاثبات بأن “داعش” وراء التفجير، وذلك بغية غض الطرف عن التنظيم تفاديا لإحراج سياسي داخلي، وما زاد من هذا الشك هو تصريح المتحدث باسم الداخلية السورية، نور الدين البابا، حين قال أمس الثلاثاء، إن “سرايا أنصار السنة” تنظيم وهمي.

وبالتالي، يرى البعض بأن السلطات السورية تسارع في المقابل إلى إظهار القبضة الأمنية من خلال اعتقال وجوه بارزة من نظام الأسد، مثل مدلول العزيز واللواء الطيار ميزر صوان، واللواء موفق نظير حيدر قائد “حاجز الموت”.

ولذلك أيضا، فإن ما يجري قد تكون محاولة من دمشق لاحتواء هذا الجدل والتشكيك من تفجير الكنيسة عبر التركيز على اعتقال رجالات الأسد، بدلا من مواجهة الإخفاقات الأمنية الراهنة.

من هو مدلول العزيز؟

والعزيز هو نائب سابق بـ “مجلس الشعب السوري” (2020–2024)، ويتحدر من عشيرة “البكارة”، ويُتهم أيضا بأنه أحد أبرز أذرع النظام الأمني السابق في دير الزور.

وبحسب تقرير لمنصة “مع العدالة”، كان العزيز قد انضم لفصيل “جبهة النصرة/هيئة تحرير الشام حاليا” بين عامي 2012 و2015، قبل أن ينشق عنها إثر تمدد تنظيم “داعش” الإرهابي في المنطقة الشرقية، ليعود لاحقا إلى دمشق ويعقد تسوية أمنية مع المخابرات الجوية.

أسس العزيز ميليشيا عشائرية من عشيرته “البكارة”، لصالح المخابرات الجوية خلال حقبة الأسد، وكان عدد من عناصرها أعضاء سابقين بـ”جبهة النصرة/هيئة تحرير الشام” بعد أن نسق لهم مصالحة مع قوات النظام السابق. واستولى العزيز على عدة حواجز في دير الزور عُرفت باسم “حواجز أبو ذباح”، واتهم عبرها بعمليات تشليح وابتزاز واتجار بالعملات المزورة، إلى جانب تورطه في خطف واغتصاب وطلب فدية، بحسب مصادر حقوقية.

عضو مجلس الشعب السوري، مدلول العزيز - انترنت
عضو مجلس الشعب السوري السابق، مدلول العزيز – “إنترنت”

مع الوقت، راكم العزيز ثروة مالية ضخمة وذلك بسبب أعمال “السرقة والابتزاز”، وفق ما أكده تقرير لـ”مع العدالة”، حيث أسس شركة “شام العزيز” للاستيراد والتصدير، ونجح في الترشح للبرلمان السوري من خلال شراء أصوات الناخبين بدعم مباشر من نواف البشير (شيخ عشيرة البكارة)، و”الحاج علي”، أحد قادة “الحرس الثوري” الإيراني في دير الزور.

وفي نيسان/أبريل 2023، رفعت الحصانة البرلمانية عن العزيز، إثر دعوى قضائية تتعلق بتهريب مواد ممنوعة (وقود، دخان، أغنام، أسلحة، مواد غذائية، أجهزة طبية) تتجاوز قيمتها 16 مليار ليرة سورية. وفي 25 من حزيران/يونيو 2024، تمت تبرئة العزيز إلى جانب عضوين آخرين وجهت لهما نفس التهمة، بحسب منشور له على “فيس بوك” آنذاك.

وبعد سقوط نظام الأسد، اختفى مدلول العزيز، إلا أن تقارير إعلامية أفادت بهروبه إلى مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).

ووفقا لـ”المرصد السوري لحقوق الإنسان”، فقد اعتقلته “قوى الأمن الداخلي” (أسايش) التابعة لـ”قسد” في محافظة دير الزور، خلال شهر شباط/فبراير الماضي.

وبحسب المرصد، بقي العزيز نحو شهر في دمشق عقب سقوط النظام، قبل أن يحصل على “الأمان” عبر أحد أقاربه المنتمين إلى “هيئة تحرير الشام”، ثم فرّ إلى دير الزور بعد تسريبات عن نية “جهاز الأمن العام” اعتقاله، واليوم تم اعتقاله بشكل مباغت في دير الزو، وفق مصادر أمنية لـ”الإخبارية السورية”، إلا أن السلطات السورية لم تعلن ذلك بشكل رسمي بعد.

من هو “عدو الغوطتين”؟

بحسب “الداخلية السورية”، شغل اللواء الطيار ميزر صوان، مناصب عسكرية عدة، أبرزها قيادته للفرقة 20 الجوية في مطار الضمير العسكري. 

ويعد من المتورطين في إصدار الأوامر للطيران الحربي بقصف مناطق الغوطتين، بالإضافة إلى مشاركته المباشرة بطائرته المقاتلة في ارتكاب عدد من المجازر الجوية في دوما ودير العصافير بريف دمشق.

اللواء الطيار ميزر صوان- “إنترنت”

وكانت بريطانيا قد أدرجت صوان سابقا على قائمتها السوداء الخاصة بالعقوبات المفروضة على سوريا، مشيرة إلى ضلوعه في “أنشطة نُفذت لصالح نظام بشار الأسد أو مرتبطة بسياسات القمع التي انتهجها النظام”، فيما اتهمه “الاتحاد الأوروبي” بالمسؤولية عن “قمع المدنيين بعنف، بما في ذلك عبر شن هجمات جوية على مناطق سكنية”.

وتفيد تقارير محلية بأن العديد من المسؤولين والضباط السابقين اختاروا الاحتماء في قراهم وبلداتهم، بعد تخلي الأسد عنهم خلال فراره إلى موسكو في 8 كانون الأول/ديسمبر، حيث اصطحب معه عددا محدودا من المقربين منه، متخليا عن معاونيه وكبار ضباطه الذين لجأ عدد منهم إلى دول مجاورة.

شيلان شيخ موسى

شيلان شيخ موسى

رئيسة تحرير "الحل نت"

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم