توماس باراك: الدبلوماسي الذي فشل في قراءة سوريا (الجزء الثاني)

توماس باراك الدبلوماسي الذي فشل في قراءة سوريا (الجزء الثاني)
توماس باراك الدبلوماسي الذي فشل في قراءة سوريا (الجزء الثاني)

عقب تعيين توماس باراك سفيراً لواشنطن في أنقرة خلال شهر أيار/مايو الفائت من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب أضيف لمهامه تعيينه مبعوثاً خاصاً إلى سوريا، وباراك هو واحدٌ من الشخصيات المثيرة للجدل في الأوساط الأميركية والعالمية، وقد خضع لمحاكمات سابقة في بلده حول قضايا عدّة إلا أنّه نال البراءة فيه، ويعرف بأنّه واحد من أكثر رجال الأعمال سطوةً ونفوذاً وعلاقات وتحديداً مع الشخصيات الوازنة في الشرق الأوسط من حكام وأمراء وزعماء ورجال مال وأعمال.

توماس باراك ذو الأصول العربية؟

ينحدر باراك من أصول لبنانية مارونية، لكنّه ولد في نيويورك عام 1947، لاحقاً درس القانون في جامعة كاليفورنيا وتخرج منها، عمل قليلاً في المحاماة قبل أن يتجه إلى الاستثمار وعالم الاقتصاد عام 1998 مؤسساً شركة “Colony Capital” التي تنامت وتضخمت مع الوقت حتى باتت من كبرى شركات الشؤون العقارية في الولايات المتحدة.

الرئيس السوري أحمد الشرع خلال اجتماع مع مبعوث واشنطن الخاص إلى سوريا، توم باراك، وممثل وزارة الخارجية الأميركية في منطقة شرقي الفرات، في قصر الشعب بدمشق 9 تموز/يوليو 2025 – “سانا”

وفي مرحلة لاحقة من حياته تعرف إلى الرئيس الحالي ترامب وأصبح مقرباً منه ليعمل في حملته الانتخابية الأولى عام 2016 كمستشار اقتصادي بدايةً ومن ثم كممول رسمي لجزء من الحملة. وإثر ذلك اشتدت أواصر العلاقة بين الرجلين سياسياً واقتصادياً.

بعد فوز ترامب في حملته الأولى كلف باراك بالعديد من المهام التفاوضية المتنوعة ذات الطابع السياسي، وقد أسهم في رسم أشكال متعددة من التوازنات الاقتصادية والسياسية وخصوصاً في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي وتركيا على وجه التحديد في المرحلة ما بين 2017 و2021. 

ومع نهاية ولاية ترامب تلك خفت نجم باراك إعلامياً ولكنّه ظلّ يحافظ على المستوى ذاته من العلاقات المتينة مع زعماء المنطقة بانتظار الفرصة الرسمية الثانية ليتولى فيها شؤوناً متجددة وقد جاءت مع انتصار ترامب في الولاية الثانية مطلع 2025 واعتماده سفيراً في تركيا ومبعوثاً خاصاً في سوريا، ولكن هذه المرّة بأدوار غير اعتيادية أو تقليدية، إنما في سياقات تشبه الوصاية القاطعة على الملفات الإقليمية.

الملف السوري

تربط باراك علاقة أكثر من جيدة بدول المنطقة ولكن على رأسها علاقاته في تركيا والسعودية والإمارات، وانطلاقاً منهم صار جزءاً رسمياً من سياسة المنطقة وانعكاسها على الشأن السوري بعد التدهور اللحظي في طبيعته السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، وعلى نطاق واسع ينظر إلى باراك أنّه لعب دوراً مؤثراً في سنوات الثورة السورية وطرائق الضغط الأميركي على نظام الأسد. في تلك المراحل لم يكن يتبنى السفير الحالي مواقف علنية واضحة بقدر ما كان مهتماً بتمرير المشاريع الاقتصادية والسياسية لبلده في المنطقة والإقليم.

لم يكن اسم باراك كثير التداول على نطاق واسع، حتى أن معظم السوريين غير المهتمين بدقة في دهاليز السياسة لم يكونوا سمعوا باسمه قبل عام 2024 حيث بدأ يتواتر اسمه في قضايا مختلفة، العام الذي بدأ يلعب فيه أدواراً تقريبية لوجهات النظر بين بلاده ودول الخليج بخصوص الملف السوري وإن كان بشكل غير رسمي وكان ذلك في إطار التمهيد للانتخابات الأميركية المرتقبة في حينه مع التصور المسبق بكيفية صوغ العلاقات حال انتصار ترامب وهو ما حصل.

يمكن القول إنّ باراك شخصية معقدة ومركبة تدمج المال بالسياسة والعسكرة والدبلوماسية الناعمة أو الخشنة، وقد أوضح عام 2025 متانة الدور الذي يلعبه في الشأن السوري ومعه التركي وصولاً لانعكاسه على لبنان في ظلّ قبول وترحيب خليجي بالصديق الدبلوماسي القديم الذي يستطيع بلورة ورسم سياسات بلاده في المنطقة وتوزيع صكوك التحالفات.

من الحل إلى التأزيم

تتسم الولايات المتحدة بنظام سياسي مركب تحافظ من خلاله على أدبياتها السياسية تجاه كل قضية بصورة منفردة، لكنّ باراك وبظرف شهرين فقط من توليه مهامه رسمياً تمكن من إحداث جملة صدمات متتالية وعميقة فيما بدا وكأنه يسير على خط مغايرٍ لنظرة بلاده تجاه سوريا، وما يرتبط بها بصورة رئيسية من حماية ودعم الأقليات الدينية والعرقية، والنحو باتجاه تدعيم أسس مسارات سلام حيوية داخلية بين الأفرقاء والمكونات والسلطة الجديدة، علاوةً على المنظورية الأميركية المقدسة لمبادئ القانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان.

بيدَ أنّ باراك فعل عكس ما تنص أدبيات بلاده وظهر ذلك جلياً من تحركاته وتصريحاته ومواقفه التي تعكس أفعالاً تحاكي أجندات إقليمية ضيقة ترتبط بتركيا في المقام الأول على حساب السيادة والسلطة والاندماج الوطني الفاعل في بلد سوري موحد يقوم على الهوية الوطنية الكليّة لا المتجزئة.

تتشابك اليوم الكثير من الملفات الوطنية بين سوريا وتركيا، ويجب أن يتمّ حلّ كل تلك الإشكالات لتستقر الأوضاع في سوريا أولاً، وعوضاً عن ذلك لم يقدم باراك أي رؤية منطقية تحتم الضغط على أنقرة للانكفاء عن بعض جوانب المشهد السوري المعقد، والعمل على تحييدها فيما يضمن إطلاق مشروع وطني خالصٍ يراعي اتفاقاتٍ سابقة بين دمشق ومكونات أخرى، وبذلك يكون باراك كمن يمنح التفويض المستديم لتركيا لتحضر في الشمال السوري، وتهديد في شماله الشرقي، مع ضغط أميركي متنامٍ أساساً على قوات سوريا الديمقراطية الكردية “قسد”، وهو ما قرأه بعض محللي السياسة كبوادر عملية تركيع بمباركة من الدولة العظمى أميركا التي كانت حليفة “قسد” حتى الأمس، فماذا يفعل باراك وإلى أين يأخذ المنطقة؟ هذا سؤال يدور على ألسنة الكثيرين من المهتمين بالشأن السوري.

الأكاديمي في العلوم السياسية، رواد منصور، قال لـ “الحل نت”: إن “باراك تمكّن من تعميق الشرخ داخل المجتمع السوري بصورة فجّة مباشرة وتفتقر لأدنى معايير الاحترام والمسؤولية والإيمان بالشراكة”، وأضاف: “ما يفعله باراك هو تدخل لا ينم عن عمق في قراءة تفاصيل المشهد السوري المتداخل والمتشعب، وهو يدفع شيئاً فشيئاً القوى السورية للتحصن أكثر في مواجهة بعضها خلف سياق المصالح الجيوسياسية، وهذا يعني جموداً وعرقلةً لأي بوادر تحسّن يعول عليه، كما أنّه يعطل الفكرة الدستورية الجامعة بصورتها التامّة التي تراعي الحقوق والواجبات انطلاقا من العقد الاجتماعي العابر للطوائف والمكونات وهو الذي كانت تسعى إليه الأمم المتحدة واجتماعات جنيف وعديد الدول قبل الاصطدام بصخرة باراك الشعبوية قصيرة بعد النظر”. 

منصور يرى بأنّ استمرار المبعوث الخاص على هذا الشكل وضمن ذات الحيز السياسي فهو يدفع لتشظي البلاد وحدودها خاصة أنه صاحب نظرية لبنان وعودتها إلى بلاد الشام وكأن سوريا تنقص صراعات ومشاكل إضافية ولو على صعيد الخلافات الدبلوماسية والشعبية.

باراك والمكونات السورية

لطالما ادعت الولايات المتحدة والدول الأوروبية اهتمامها بحماية الأقليات السورية، عرقاً وطائفة، من إيزيديين ومسيحيين ودروز وغيرهم، لكنّ باراك تمكّن في زمن قياسي من كشف تلك المجتمعات أمنياً وسياسياً، وتجاهل دعوتها علانية لتكون جزءاً من سوريا المستقبل، واكتفى بعمله كما يتم وصفه بـ “سمسار” سياسة، معتبراً بعضاً من تلك المكونات حلفاء مؤقتين أو سابقين في شؤون متنوعة على رأسها مكافحة الإرهاب و”داعش” ضمناً. 

السفير الأميركي لدى تركيا، توماس باراك – انترنت

وقد تبدى ذلك خير ما تبدأ في مهاجمته “قسد” لحساب أنقرة بعدما كانت الأولى شريك المنطقة الموثوق الوحيد أميركياً لأكثر من عقدٍ من الزمن. وعليه فإنّ باراك لم يستطع تهدئة المنطقة بقدر ما تمكن من إشعالها وزيادة تفاصيلها تعقيداً، وتجاهله لملفات أساسية تتعلق بالحريات والحقوق والعيش وشرعنة ما تراه تركيا واجباً بمعزل عن الاعتبارات الوطنية الخالصة للبلد المعني في الأمر وهو سوريا.

والأمر ذاته يحمل تبايناً هائلاً بين نمط السياسة الأميركية العامة في الشرق الأوسط، ودور مبعوثها الذي بات يبدو يوماً بعد آخر أقرب لـ “مندوبٍ سامٍ” بحسب وصف متابعين، وتساءلوا أيضاً عن الدور الذي يتخطى مفهوم مبعوث الخارجية ليصير ممثلاً لشبكات الظل ما خلف الكواليس وفق تصرفاته وتصريحاته.

الدبلوماسية الحديثة

تمكّن باراك من الإفلات من مفاهيم واشنطن العامة ذات التركيبة المعقدة والتي تخضع لأطر بيروقراطية حازمة منتزعاً صلاحيات استثنائية وتنفيذية تتخطى مسماه العام، أو دوره الرمزي، وإنما جاء من عالم سلطوي موازٍ ليكون ركيزة هندسةْ استراتيجية بلاده في المنطقة، متخطياً بذلك الإطار الرقابي التشريعي – حتى الآن.

ويمكن تدعيم تلك الفكرة بأنّ باراك بات واضحاً للغاية أنه يتمتع بتفويض غير معلن أشبه لأن يكون حراً في إدارة شؤون المنطقة انطلاقاً من تركيا، فالمبعوث لم يتوقف عند حدّ نقل رسائل أو الإسهام في إصلاح خلل نسبي يمكن تجاوزه، بل صار شريكاً في القرار الاستراتيجي للمنطقة كما يقول الحقوقي والسياسي صالح محمد لـ “الحل نت”. 

المبعوث الخاص لسوريا بحسب محمد، كان ينخرط ويشرف على اجتماعات أمنية دقيقة تتيح له تقديم ضمانات كبرى، ويشير أنّ هذه الصلاحيات لم تمنح سابقاً لأي مبعوث أميركي إلى سوريا، بل تفرّد بها باراك واتخذها وسيلة لإدارة شؤون ملفات دول متعددة في المنطقة، و”بذلك حصل باراك على دور وظيفي محوري في إعادة رسم وتجديد وتوجيه الاتجاهات السياسية والميدانية والاجتماعية وحتى الديموغرافية في سوريا وقريبا لبنان”.

وفي محطة السويداء ظهر هذا الخلل، حيث ذكرت وكالة “رويترز”، أن باراك أوهم الشرع بأنه حصل على ضوء أخضر من الولايات المتحدة وإسرائيل لنشر قوات في السويداء، وشجعها بأن سوريا يجب أن تحكم كدولة مركزية.

تقرير الوكالة البريطانية الذي استند إلى ثمانية مصادر مطلعة ضم مسؤولين سياسيين وعسكريين سوريين ودبلوماسيين ومصادر أمنية إقليمية، بيّن إن إسرائيل نفذت ضربات على القوات السورية وعلى دمشق يوم الأربعاء في تصعيد فاجأ القيادة التي يقودها الإسلاميون بعد اتهام القوات الحكومية بقتل العشرات في مدينة السويداء الدرزية.

من الشراكة إلى الاستعداء

طوال 14 سنة الماضية كانت “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في شمال وشمال شرق سوريا الحليف المركزي لواشنطن في المنطقة، وقد تشارك الطرفان معارك ومواجهات كثيرة مع تنظيم “داعش” حتى القضاء عليه أخيراً في معركة الباغوز عام 2019 وأسر عشرات الآلاف من مقاتليه وعائلاته، تلك السنوات كانت تحمل لـ “قسد” دعماً مالياً وعسكرياً ولوجستياً مستمراً من واشنطن وبشكل مكثف ومتزايد مع مظلة حماية واسعة من وجه أنقرة، ولكن مع سقوط النظام السوري أواخر العام الفائت وتعيين توماس باراك مبعوثاً خاصاً إلى سوريا بدأ الأخير ينظر إلى “قسد” على أنّها مجرد حليف مؤقت، وربما سابق، وليست شريكا سياسياً بالمعنى التقني للكلمة في مستقبل البلاد.

ففي تصريحات متعددة وصف باراك “قسد” بأنها “فرع من “وحدات حماية الشعب” التابعة لحزب العمال الكردستاني (PKK)”، وأكد مرارًا أن واشنطن لا تدين بدولة كردية أو كيان مستقل لهم. وهو ما لا شكّ فيه شكل صدمةً قاسية للمجتمع الكردي إذ يمكن رؤية تلك التصريحات بمثابة استغناء غير مبرر للشراكة والتحالف.

الرئيس الانتقالي لسوريا، أحمد الشرع (على اليمين)، وقائد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، مظلوم عبدي، أثناء توقيع اتفاق يهدف إلى دمج قسد في مؤسسات الدولة، في العاصمة السورية دمشق، 10 آذار/مارس 2025 – انترنت

لم يكتفِ باراك بتلك التصريحات فحسب، بل شنّ بعدها أكثر من هجوم على الأكراد ومطالباتهم السياسية، معتبراً إياهم “بطيئين جداً في التفاوض” مع حكومة دمشق حول دمجهم في الجيش والمجتمع السوري، ناصحاً إياهم بـ “التسريع” في هذا الاندماج، معلناً أنّ هناك طريقاً واحداً للحل وهو “عبر دمشق”، مؤكداً أنّ النظام السوري الجديد أبدى مرونة في المفاوضات. وقد قال أيضاً بأنّ “الوقت ينفذ”.

لسنوات كثيرة التزمت واشنطن برعاية “قسد” والاعتراف الضمني بحقها في السيادة على إقليم تحكمه الإدارة الذاتية، وشاركتها في الحرب، وفي أحيان كثيرة خاضت “قسد” الحرب بالإنابة عن أميركا في مواجهة التنظيمات المتطرفة، وكانت تحظى بوعود دائمة بدور جوهري ومحوري في شكل سوريا القادم ضمن أي تسوية شاملة، لكنّ باراك نسف كل ما سبق، وسار نحو تصريحات عنيفة تمثل رؤية جيوسياسية خشنة موضحاً أن “لا مستقبل لأي كيان مستقل أو شبه مستقل خارج سيادة الدولة السورية”، فدعا “قسد” إلى “الاندماج الفوري ضمن مؤسسات الدولة”، ولم يأخذ على عاتقه تقديم أي ضمانات دستورية شاملة لها تحفظ حقوقها وشرعيتها ومكانتها وخصوصيتها العرقية والثقافية واللغوية.

الاتفاق الضحية

في العاشر من آذار/مارس 2025 التقى قائد “قسد”، مظلوم عبدي، مع رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا، أحمد الشرع، ووقع الطرفان مذكرة تفاهم تتعلق بالاندماج والخطوات المستقبلية وجاءت الوثيقة النهائية مكونة من عدّة بنود مختلفة، وكان الاتفاق مرضياً للطرفين في حينه، وعلى أمل أن يتم استكمال تنفيذه قبل نهاية العام الجاري. 

لكنّ وصول باراك لاحقاً وتدخله على خط الاتفاق عكّر الأجواء بين الطرفين من جديد، حيث أنّه دعم سلطة دمشق وقوى موقفها وجعلها تستقوي على الاتفاق نفسه حين باتت تطالب بإزالة أي شروط مسبقة أو أحلام فيدرالية أو اندماج ضمن كتلة واحدة في الجيش أو المؤسسات وخلافه، فتعطّل الاتفاق إلى حد بعيد. 

هذا التعطل جاء من إيمان دمشق بأنّ باراك ينقل إليها رؤية ترامب بل وربما توجيهاً منه للكيفية التي يجب أن يفاوضوا بها، فتراجعت وطالبت بحلّ “قسد” بالكامل ونزع السلاح منها وإلغاء أي شكل أو صورة أو هيكل لـ “الإدارة الذاتية” أو ما سيتبقى منها، وهذه المعلومات باتت معروفةً في أروقة السياسة السورية ولم تعد سرّاً بطبيعة الحال.

ذلك الموقف الأميركي العاصف اتجاه “قسد” أسفر عن خلخلة موضعية مؤقتة في بنيتها الاستراتيجية أمام تحول طارئ وغير متوقع رغم الاجتماع التنسيقي الذي عقد مؤخراً بينهم وبين دمشق ولم يرشح عنه شيء مهم، فمن الأكراد من رأى بوجوب تقديم تنازلات تكتيكية مرحلية لضمان ديمومة عملٍ مستقر ومعيشة آمنة وتلافي تكرار أحداث أمنية جرت في مناطق أخرى، وبين من تمسك بالأبعاد الاستراتيجية في رفض تقديم التنازلات والرضوخ وأيضاً انطلاقاً من أحداث الخارطة السورية ومغبة نزع سلاح “قسد” في بيئة قد تنقلب عليها سريعا، وأصحاب هذا الرأي يرون ما يحصل أنّه إملاء تركي قبل الأميركي وهو يمثل رضوخاً لا يريدون وقوعه.

تلك التطورات المتسارعة في الملف الكردي والحصار الأميركي له كان يسير جنباً إلى جنباً مع أحداث أمنية تجري في مناطق من سوريا وعلى رأسها محافظة السويداء في الجنوب، وهو ما أدى لردّ فعل عكسي لدى “قسد” في تمسكها بسلاحها ومطالبها، خاصةً مع فشل السلطة في إدارة ملف الجنوب وتزايد الضغط الشعبي عليها، وإدراك الجانب الكردي أنّ القيادة السورية الحالية ليست في أفضل حالاتها ولا تستطيع حسم الأمور على الأرض فعليا وبالتالي فرض شروطها على منطقة الجزيرة السورية التي تعج بالسلاح والمقاتلين والدعم المستقبلي الذي يمكن أن تقدمه لهم دول أخرى غير أميركا.

باراك والسويداء: التواطؤ الصامت

في 16 تموز/يوليو الجاري، نشر المبعوث الأميركي، توماس باراك، تغريدة على منصة (إكس)، قائلاً: “ندين بشكل قاطع العنف ضد المدنيين في السويداء… يجب على جميع الأطراف التراجع والانخراط في حوار هادف يؤدي إلى وقف إطلاق نار دائم”.

تصريح باراك ظلّ في سياقه النظري البحت، لم يفعل أي شيء ليحوله إلى إجراء سياسي أو عملياتي او دبلوماسي ضدّ دمشق، أو لتنبيهها على الأقل، خاصة أنّ تصريحه جاء في أيام اقتتال فصائل السويداء مع قوى الحكومة السورية، وليس في الأيام التالية التي اقتتلت فيها العشائر مع فصائل الدروز، وكذلك ظلّ مراقباً وعداد القتلى يرتفع أمامه، مئة، مئتان، ثلاثمئة، ستمئة، والعدد لا زال بارتفاع من كل الأطراف، في الوقت الذي ترزح فيه السويداء تحت واقع يصطلح معه بوصفها بالمدينة المنكوبة التي تعيش منذ أسبوع بدون كهرباء ومحروقات وغذاء وخضار وانترنت وأدوية ومشافيها القليلة خرجت عن الخدمة تباعاً.

لم يصدر عن باراك موقف حازم، تهديد، توضيح، شجبٌ مصحوب بفعل وتنبيه صارم، ولا حتى طلباً لحماية محلية أو مراقبة فعلية، تماهى مع الرؤية العامة في وجوبية بسط الدولة سيطرتها بأي طريقة على مختلف المناطق في تناقض مع الخطاب الأميركي والغربي الداعي لحفظ حقوق الأقليات، لا دعمهم في الاعتداء، بل حمايتهم وحماية الجميع وإيقاف أي حالة اقتتال قد تقود نحو حرب أهلية طويلة الأمد.

يرى مراقبون أنّ باراك تعمد تجاهل تفاصيل الملف والانتقال من موقف المحايد إلى المتواطئ بالصمت مع حكومة دمشق ومن خلفها الدعم الواسع من حكومة أنقرة، وبذلك يكون باراك اصطف مع دمشق ضدّ مدنٍ أخرى رافضاً حتى تحميلها مسؤولية أي جزء من الانتهاكات، كما أنّه بطبيعة الحال أساساً لم يتحدث عن انتهاكات مخلصاً نفسه من مسؤولية إطلاق التسميات والاتهامات والمواقف.

كان التواصل مع أبناء السويداء في غاية الصعوبة نظراً لتردي خدمة الاتصالات لديهم، لكنّ عدداً من أبناء المحافظة في دول خارجية أجمعوا خلال حديثهم مع “الحل نت” على معطيات رئيسية تتعلق بأنّ ما يحصل هو بمثابة “ضوء أخضر” أميركي لحصار وقصف الدروز والتنحي عن مساندتهم أو إيجاد خارطة طريقة لضمان تهدئة مستديمة مع السلطة والعشائر، وقد استهجن من تحدثنا إليهم الدور الأميركي الذي كان رغم عدائه للنظام المخلوع يراعي فيه أنّه يقدم نفسه حامياً للأقليات ولو شكلياً، فيما ظهرت صورة واشنطن بسبب مبعوثها بأنها متفرجة على مذبحة طرفاها سوريان في نقطة معقدة، وفي المحافظة التي انتفضت بوجه الأسد منذ عام 2023 بمظاهرات يومية وطالبت بإسقاطه، وقبل ذلك بكثير منعت أولادها من الالتحاق بجيشه الذي كان يقاتل السوريين، وقد تخلّف عن الخدمة الإلزامية عشرات آلاف الدروز.

مجدداً يمكن استخلاص حجم التنسيق والتوافق بين باراك والأتراك في رؤيتهم لعدم جواز وجود أي منطقة متمردة أو خارجة عن سلطة دمشق المدعومة إقليمياً وأميركيا بعد لقاء السعودية، والسويداء تحديداً خلاف الساحل والجزيرة فقد أعلنت منذ مطلع العام الجاري عبر شيخ العقل لطائفة الموحدين الشيخ حكمت الهجري رفضها سلطة الشرع، ومنعت أرتاله من دخوله المحافظة حينها، وفي أواسط آذار/مارس قال الهجري: إنّ “سلطة دمشق إرهابية ومطلوبة دولية ولا اتفاق أو توافق معها”. 

المحرك التركي

بات من الممكن الحسم أنّ باراك يتحرك وفق المصالح التركية أولاً، وهذا يبدو بوضوح من مواقفه وتصوراته واستعدائه للمكونات السورية ومن بينهم أقرب حلفائه “قسد” لصالح أنقرة، والتي لم يبال أن يقول إنّها امتداد لحزب العمال الكردستاني في تصريح نسف سنوات التنسيق وأشهر العسل بين الطرفين، وفوق ذلك عرقل اتفاق (الشرع – عبدي).

القائد العام لـ “قوات سوريا الديمقراطية” مظلوم عبدي يتحدث خلال “مؤتمر الوحدة والتوافق” الكردي في القامشلي – أ ف ب

وضمنياً طالما لم يتحرك في ملف السويداء فهو موافق على مجرياته، ولكونه لم يتحرك في إطار البحث حول مخرجات لجنة تحقيق أحداث الساحل فهو غير مكترث وهي التي تجاوزت مهلتها القانونية بأيام كثيرة ولم تضع تقريرها، ما يدلل أن المبعوث الخاص بات أقرب لأن يكون وسيطاً تركياً في تحريك حجارة اللعبة على أرض سوريا داخل خطوط السياسية العريضة للولايات المتحدة وإن كان تجاوزها في مفاصل كثيرة لمصالح متباينة في المنطقة على رأسها ثنائية دمشق – أنقرة / الولاء والتبعية التامة دون وجود أي كيان مستقل أو منفصل أو قوي.

ضمن تلك التوازنات المغرقة في الدقّة والتنسيق لم تتوقع الأطراف المتحالفة (أنقرة – دمشق – باراك) أن تنقضّ إسرائيل على مباحثات أذربيجان (باكو) والإمارات وأن تدخل مباشرةً لقصف الجيش السوري في السويداء، وقصف القصر الرئاسي، ووزارة الدفاع ورئاسة الأركان، لتغير بذلك معادلة الحرب في الجنوب، ما أدى لاستعادة الفصائل الدرزية دورها بشكل محدود قبل الانتقال إلى الخطة البديلة، وهي صراع محلي – محلي لا دخل للسلطات فيه، دروز وفزعات عشائر. ومن ثم يجلس الثلاثي المتحالف ليتفرج على النتائج التي لا يخسر فيها إلّا السوري.

هل سيفشل باراك؟

بنظرة متأنية إلى الواقع السوري ومجريات الأحداث فيها ومدى تركيبها بعد صراع دام أربعة عشر عامٍ جاء باراك من اللاشيء ليرسم حدود المسارات والتفاهمات داخل سوريا، وتكفي متابعة بسيطة لما أنجزه وسينجزه ضمن استشراف ناجم عما يمكن استخلاصه من دوره حتى الآن للخروج بانطباع أولي أنّه حتى اللحظة لم ينجح في معالجة أي ملف بشكل كامل وتوافقي، وعانى من فشل ذريع في طبيعة فهم المكونات والجغرافية والديموغرافية والتوازنات السورية التي يحاول أن يقودها عبر تفاهمات قسرية ضمن مبدأ السياسة الواقعية المباشرة الذي يحتم استخدام أساليب القوة العنفية والضغط المباشر لإتمام المكتسبات، لكنّه اصطدم بسوء تقدير واسع، فـ “قسد” أعادت هيكلة نفسها، والسويداء لم تخسر المعركة.

يمكن الجزم أنّ باراك لم يكن يتوقع هذا الحجم من الصعوبة في إدارة الملف السوري، لكنّه بالتأكيد عراب التحول الأميركي في المنطقة نظراً لصلاحياته شبه المطلقة، ومع تلك الصلاحيات تحول من وسيط براغماتي كما تقتضي فنون السياسة عامةً إلى طرف منخرط في الحدث يكرس الانقسامات ويعيد إنتاجها ومعه إنتاج الماضي ويجيد تعطيل سبل المسارات السائرة قبله بكل ما أوتي من انحياز مفضوح لتمرير ملفات إقليمية أبعد من الخارطة السورية، تلك المصالح تفرض عليه التوأمة في الرأي مع تركيا، وفي مكان أبعد بقليل تحقيق التوافق مع إسرائيل ضمن الضرورات الاستراتيجية التاريخية للولايات المتحدة الأميركية، وما بين أنقرة وتل أبيب صراع على الكعكة التي يمسك باراك السكين ويقف أمامها غير دارٍ من أي يبدأ تقطيعها وتوزيعها.

إذاً، بظرف وقت قليل مدّ باراك يديه في مكان وصل إليه، حطّم اتفاقيات وتسويات ومصالحات وهدناً وأحرج أنقرة التي تريد سلطة الشرع على سوريا كاملة مع استمراء إسرائيل بالقصف في عمق العاصمة ما هزّ مصداقية الحليف التركي الذي يتبنى دعم دمشق دون أن يتمكن من فعل شيء إثر الفشل الواضح لباراك نفسه في مقاربة الملفات بين دول المنطقة، وكنتائج جانبية شلل في مختلف السياقات، فقدان واشنطن لموثوقيتها لدى حلفائها، تعميق الشرخ بين القوى السياسية والمجتمعية السورية، إحراج أنقرة أمام حلفائها على وقع التمدد الإسرائيلي، وبهذا التحيز الذي بدر من باراك فقد جنى ثمار تعقيد المشهد لا تفكيكه ضمن خطوات استراتيجية ارتجالية وغير محسوبة.

وبدلاً من أن يقدم باراك نفسه راعياً للمشهد السوري بمختلف تركيباته من السلطة القائمة وأنصارها إلى الأكراد فالدروز والساحل والمسيحيين وغيرهم، قام بفعل العكس عبر سياسة أحادية الأبعاد والرؤية للوصول إلى مجتمع متجانس فقام بتبني رواية طرف واحد محلي ما من شأنه تنويع الصراعات لا احتواؤها، ففي الحين الذي كان يجب أن يكون أكثر هدوءاً، بدا أكثر انفعالية، وراح من سوريا ليشعل فتيل صراع نفسي – إعلامي في لبنان نفسها، وبدل أن يضمن دور إسرائيل في ملف التنسيق الأمني تجاهل الأمر لصالح رؤية أنقرة في حرب شاملة لاسترداد السيطرة على مواقع المتمردين فدفع إسرائيل لتقصف جواً قوات دمشق والتي هي بطبيعة الحال بعض مقاتليها هم امتداد للقوات المرعية سابقاً من أنقرة حين كان هناك ما يسمى “الجيش الوطني” في الشمال قبل الاندماج بوزارة الدفاع.

في المحصلة فإنّ سياسة باراك حتى الآن لا تتسم بشيء من البراغماتية أو المرونة أو الدقة في فهم الموقف بقدر ما هي تنفيذ لمصالح إقليمية ضيقة أفضت في محصلتها لما يحصل الآن من احتراب أهلي واسع الأبعاد والمعالم في الجنوب السوري، وإلى فقدان ثقة “قسد” بأميركا ومعها حكومة دمشق، وإلى تزايد مخاوف أهل الساحل، وإلى ركود شبه تام أمام صناعة فرصة حقيقية للسلام والازدهار ووقف الاقتتال والركون إلى دستور وطني ومجلس تشريعي فعلي وعقد اجتماعي ناظم وبلد لا يعتدي فيه أحدٌ ولا يعتدى فيه على أحد، وحتى ذاك الحين لا بدّ لباراك أن يتوقف عن سكب الزيت على نار البلد المشتعل أساسا.

طارق علي

طارق علي

كاتب وصحفي سوري، ماجستير في الإعلام كتب لصالح عدد من المواقع والقنوات الدولية، مذيع إخباري ومقدم برامج سياسية

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم