انتقد تقرير حقوقي عمل “لجنة السلم الأهلي” في سوريا، التي تشكّلت في آذار/مارس الماضي، إذ سّلط الضوء على أبرز الإشكالات والانتهاكات الإجرائية التي تتعلق بعملها، بينما دعا إلى تحقيق المشاركة المجتمعية، ووضع معايير معالجة تحكم اللجنة.
وأشار التقرير، الذي جاء بعنوان: “العدالة الانتقالية والسلم الأهلي: أخطاء لجنة السلم الأهلي في سوريا وضرورة تصويب المسار”، إلى أنَّ العلاقة بين العدالة الانتقالية والسلم الأهلي تُعدّ من أكثر التحديات تعقيداً في مجتمعات ما بعد النزاع، إذ تتقاطع متطلبات المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة مع ضرورات بناء الاستقرار المجتمعي.
ما أبرز الإشكالات والانتهاكات الإجرائية؟
يتناول التقرير، الذي أصدرته “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” أمس الثلاثاء، السياق السوري الذي اتسم بتعقيد النزاع، وما ترتب عليه من انتهاكات جسيمة شملت القتل الممنهج، والتعذيب، والإخفاء القسري، والاعتقال التعسفي.

ويُبرز التقرير الحاجة إلى تصميم دقيق لآليات العدالة الانتقالية بما يتناسب مع طبيعة الانتهاكات، محذراً من غياب التنسيق بين الهيئات المختلفة، ومنها “لجنة السلم الأهلي”، و”لجنة العدالة الانتقالية”، و”لجنة المختفين قسرياً”.
سلّط التقرير الضوء على أبرز الإشكالات المتعلقة بعمل “لجنة السلم الأهلي”، والتي تتمثل بـ تجاوز الصلاحيات القضائية، من خلال ممارسة اللجنة لصلاحيات تنفيذية تتعلق بالإفراج والعفو دون تفويض قانوني.
وأضاف أن إصدار قرارات بالعفو دون سند قانوني واضح، يشكل انتهاكاً للمبادئ القانونية، ناهيك عن غياب المعايير والضوابط التي تنظم عمل اللجنة، وصدور قرارات دون الإعلان عن أسسها.
وأشار إلى الخلط بين الدور المجتمعي من جهة، والدور القضائي والتنفيذي من جهة أخرى، بما يهدد مبدأ استقلال السلطة القضائية.
ورصد التقرير مجموعة من الانتهاكات الإجرائية، أبرزها عدم نشر المعايير التي تستند إليها قرارات العفو والإفراج، بما يقوّض مبدأ الشفافية، إضافة إلى تجاهل حقوق الضحايا في المعرفة والمشاركة في عملية اتخاذ القرار، واستخدام تبريرات عامة وغير محددة، مثل “المساهمة في ردع العدوان”، دون توضيح كافٍ.
الآثار السلبية لأداء “لجنة السلم الأهلي”
التقرير وثّق التقرير الآثار السلبية التي نجمت عن أداء “لجنة السلم الأهلي”، منها “تقويض ثقة المجتمع في مسار العدالة الانتقالية” بسبب اتخاذ قرارات خارج الإطار القانوني، و”إرسال رسائل خاطئة إلى الضحايا” ما يوحي بتغليب الاستقرار على العدالة، إضافة إلى “تعميق خطر الإفلات من العقاب”، ما يسهم في إعادة إنتاج العوامل المؤدية إلى النزاع.
التقرير دعا إلى عدد من الخطوات التصحيحية، أهمها، والتي تتمثل بـ سنّ قانون خاص بالعدالة الانتقالية من خلال المجلس التشريعي، مع ضمان مشاركة مجتمعية واسعة، وتنسيق المسارات الأربعة للعدالة الانتقالية: المساءلة، الحقيقة، التعويضات، والإصلاح المؤسسي.
وأشار إلى أهمية احترام استقلال السلطة القضائية، وضمان حقوق الضحايا في التقاضي ورفع الدعاوى الفردية. كما دعا إلى الاستفادة من الخبرات المحلية والدولية، مع تكييفها بما يتناسب مع الواقع السوري.
وخلُص التقرير إلى أنَّ “العدالة الانتقالية والسلم الأهلي ليسا مسارين متناقضين، وأنَّ ممارسات لجنة السلم الأهلي التي تتسم بتجاوز الصلاحيات، وغياب الشفافية، وتجاهل حقوق الضحايا، تمثل تهديداً حقيقياً لمسار العدالة وتقويضاً لفرص السلام المستدام.”
ما التوصيات؟
قدّم تقرير “الشبكة السورية” مجموعة من التوصيات للحكومة السورية الانتقالية و”لجنة السّلم الأهلي”، والمجتمع الدولي، إضافة إلى توصيات عامة لجميع الأطراف.

فيما يخص الحكومة السورية، أشار التقرير إلى أهمية إعداد إطار قانوني متكامل للعدالة الانتقالية بمشاركة جميع الأطراف المعنية، وإعادة تحديد مهام “لجنة السلم الأهلي”، لتقتصر على الحوار والمصالحات المحلية.
إضافة إلى ذلك، أوصى بـ ضمان استقلالية القضاء ومنع تدخل أي جهة غير قضائية في صلاحياته، واعتماد الشفافية من خلال نشر جميع قرارات العفو والإفراج مرفقة بتبريراتها.
وجه التقرير ثلاث توصيات لـ “لجنة السلم الأهلي”، تتعلق بالالتزام بدورها المجتمعي دون ممارسة أي صلاحيات قضائية أو تنفيذية، وتعزيز المشاركة المجتمعية من خلال تنظيم جلسات استماع دورية، إضافة إلى وضع دليل إجرائي واضح، ومعايير معلنة تحكم عمل اللجنة، إلى جانب آلية رقابة وتقييم مستقل.
وأوصى التقرير المجتمع الدولي بتقديم الدعم التقني والمالي للمبادرات المتعلقة بالعدالة الانتقالية، وتدريب القضاة والمحققين، ودعم منظمات المجتمع المدني، وتبادل الخبرات مع الدول التي خاضت تجارب مماثلة في العدالة الانتقالية.
توصيات عامة لجميع الأطراف
- الالتزام بمبدأ “لا سلام دون عدالة”.
- اعتماد منهجية تشاركية في العملية الانتقالية.
- الاستفادة من التجارب الدولية مع تكييفها للسياق السوري.
وأكدت “الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان” أنَّ مسار العدالة الانتقالية في سوريا يجب أن يستند إلى أسس قانونية وحقوقية راسخة، تضمن العدالة والشفافية والمشاركة المجتمعية. كما حذّرت من أنَّ أي تجاوز لهذه الأسس، بما في ذلك تدخل “لجنة السلم الأهلي” خارج نطاق اختصاصها، سيؤدي إلى تقويض الجهود الرامية إلى بناء دولة القانون وتحقيق المصالحة المجتمعية المستدامة.
- مقتل قيادي “حوثي” بارز في “كهبوب” قرب باب المندب
- من الساحل السوري إلى لبنان.. كيف تحركت شبكة متهمة بالتخطيط لهجمات في سوريا؟
- لماذا يتزايد غضب الشارع الإيراني ضد العراقيين؟
- ماذا يعني رفع واشنطن القيود المتعلقة ببيع الأسلحة لسوريا؟
- ممرات السكك الحديدية وتجارة المقايضة: أبعاد الدعم الصيني لإيران وأثره على أمن الخليج

