الغلاء مستمر رغم تراجع التضخم.. لماذا لا يشعر السوريون بتحسن الأسعار؟

الشارع السوري

رغم إعلان الجهات الرسمية عن تباطؤ معدلات التضخم في سوريا خلال عام 2025 مقارنة بالسنوات السابقة، لا يزال السوريون يواجهون موجات متواصلة من الغلاء وتآكل القدرة الشرائية، في مفارقة اقتصادية تثير تساؤلات حول أسباب استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة رغم تحسن المؤشرات الإحصائية.

وتسلط دراسة حديثة أصدرتها هيئة التخطيط والإحصاء بعنوان “واقع التضخم في سوريا خلال الفترة 2010-2025” الضوء على التحولات التي مر بها الاقتصاد السوري خلال خمسة عشر عاماً، مؤكدة أن التضخم لم يكن نتيجة عامل واحد، بل جاء حصيلة تفاعل معقد بين انهيار الإنتاج المحلي، وتقلبات سعر الصرف، وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، واختلال سلاسل الإمداد، إلى جانب المتغيرات المالية والنقدية.

هل يعني تباطؤ التضخم انخفاض الأسعار؟

 كما خلصت الدراسة إلى أن عام 2025 شهد تباطؤاً ملحوظاً في معدلات التضخم مقارنة بالأعوام السابقة، مع توقع استمرار تأثر الأسعار خلال عام 2026 بعوامل مثل سعر الصرف وأسعار الطاقة وحركة التجارة الإقليمية.

خلصت الدراسة إلى أن عام 2025 شهد تباطؤاً ملحوظاً في معدلات التضخم مقارنة بالأعوام السابقة- إنترنت

غير أن هذا التحسن في معدل التضخم لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار أو تحسن مستوى المعيشة، إذ يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم أن الخلط بين “تباطؤ التضخم” و”تراجع الأسعار” يمثل أحد أبرز أسباب سوء فهم المؤشرات الاقتصادية، وفق ما نقلت عنه صحيفة “الوطن”.

ويوضح أن التضخم يقيس سرعة ارتفاع الأسعار وليس مستوى الأسعار نفسه، وبالتالي فإن انخفاض معدل التضخم يعني فقط أن الأسعار تواصل الارتفاع بوتيرة أبطأ، وليس أنها عادت إلى مستويات أقل.

سعر الصرف وراء التحسن الظاهري

يشير عبد الكريم إلى أن الرقم القياسي لأسعار المستهلك انخفض من 32879 نقطة عام 2024 إلى 24139 نقطة خلال عام 2025، أي بنسبة بلغت 26.6 بالمئة، بالتزامن مع تحسن سعر صرف الليرة السورية، حيث تراجع متوسط سعر الدولار من 15036 ليرة إلى 11108 ليرات، بانخفاض نسبته 26.1بالمئة.

يرى أن التقارب بين النسبتين يكشف أن الجزء الأكبر من التحسن المسجل في المؤشر يعود إلى تحسن سعر الصرف أكثر من كونه انعكاساً لتعافٍ اقتصادي حقيقي أو انخفاض فعلي في تكاليف المعيشة.

ويضيف أن احتساب سلة المستهلك بالدولار الأميركي يظهر صورة مختلفة تماماً، إذ لم تنخفض قيمتها إلا بشكل هامشي من 2.187 دولار إلى 2.173 دولار، أي بنسبة لا تتجاوز 0.6 بالمئة، وهو ما يعني أن القوة الشرائية للأسر لم تتحسن بصورة ملموسة، وأن ما حدث أقرب إلى تعديل محاسبي ناجم عن تغير سعر الصرف عند تحويل الأسعار إلى الليرة، وليس انخفاضاً حقيقياً في أسعار السلع والخدمات.

لماذا لا يشعر المواطن بالتحسن؟

تبرز هنا مفارقة أخرى، إذ تؤكد الدراسة الرسمية أن الاقتصاد السوري دخل مرحلة تباطؤ في التضخم، بينما لا يزال المواطن يواجه مستويات أسعار مرتفعة للغاية مقارنة بما كانت عليه قبل الأزمة.

 ويوضح عبد الكريم أن الرقم القياسي للأسعار في نهاية عام 2025 يعادل أكثر من 205 أضعاف مستواه في عام 2010، ما يعني أن المقارنة السنوية وحدها قد تكون مضللة إذا جرى تجاهل المستوى الأساسي للأسعار الذي بقي مرتفعاً بصورة استثنائية.

الرقم القياسي للأسعار في نهاية عام 2025 يعادل أكثر من 205 أضعاف مستواه في عام 2010- إنترنت

ويضيف أن ما يعرف بـ”أثر سنة الأساس” يمثل عاملاً آخر في تفسير انخفاض معدلات التضخم، فالمقارنة تمت مع عام 2024 الذي سجل مستويات قياسية للأسعار، الأمر الذي يجعل نسب التغير تبدو منخفضة إحصائياً حتى مع استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة للغاية، وهي ظاهرة معروفة في التحليل الاقتصادي عند مقارنة فترات شهدت صدمات سعرية كبيرة.

كما يلفت إلى أن المؤشر الرسمي لا يزال يعتمد في احتساب أوزان سلة المستهلك على مسح دخل وإنفاق الأسرة المنفذ خلال عامي 2008 و2009، رغم التغيرات الجذرية التي طرأت على أنماط الاستهلاك خلال سنوات الحرب.

فبينما تمنح السلة الرسمية الغذاء وزناً يبلغ 39.9 بالمئة من إجمالي الإنفاق، تشير التقديرات الميدانية إلى أن كثيراً من الأسر السورية باتت تخصص أكثر من 60 بالمئة من دخلها لتأمين الغذاء فقط، وهو ما يجعل المؤشر، بحسب رأيه، أقل قدرة على التعبير عن الواقع المعيشي الحالي.

المؤشر لا يعكس كلفة المعيشة بالكامل

يثير عبد الكريم كذلك ملاحظات بشأن بعض مكونات المؤشر، مشيراً إلى أن بند الإيجارات المحتسبة، الذي يمثل أكثر من 17 بالمئة من وزن السلة، سجل مستويات أدنى بكثير من المؤشر العام، في حين بقيت مؤشرات خدمات المياه شبه مستقرة لسنوات طويلة، رغم ارتفاع تكاليف المعيشة بصورة كبيرة، ويرى أن استمرار هذه البنود عند مستويات منخفضة يسهم في تخفيض الرقم القياسي العام، ويحد من قدرته على عكس الزيادات الفعلية التي تتحملها الأسر.

ولا تقتصر المشكلة على المؤشرات الإحصائية فحسب، بل تمتد إلى الفجوة الواسعة بين الدخل وكلفة المعيشة، فوفق تقديرات عبد الكريم، بلغت كلفة الحد الأدنى لإنفاق أسرة مكونة من خمسة أفراد نحو 2.2 مليون ليرة سورية في نهاية عام 2025، أي ما يعادل نحو 206 دولارات، وهو مستوى يفوق بأكثر من ثلاثة أضعاف الحد الأدنى الرسمي للأجور آنذاك.

 كما يشير إلى أن راتب الموظف الجامعي في بداية عام 2026 لا يغطي سوى نحو 35 بالمئة من خط الفقر المدقع، ما يعني أن أي تباطؤ في التضخم لن ينعكس على شعور المواطنين طالما بقيت الدخول الحقيقية بعيدة عن مواكبة تكاليف المعيشة.

وتنسجم هذه المعطيات مع ما خلصت إليه الدراسة الرسمية، التي تؤكد أن التضخم في سوريا لم يعد ظاهرة نقدية مؤقتة، بل تحول إلى أزمة هيكلية ترتبط بضعف الإنتاج المحلي، والاعتماد المتزايد على الاستيراد، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، وتقلبات سعر الصرف، وهي عوامل تجعل أي تحسن في المؤشرات عرضة للتراجع مع حدوث أي صدمة خارجية أو داخلية.

 كما ترى الدراسة أن استقرار الأسعار على المدى الطويل يتطلب إصلاحات أعمق تشمل دعم القطاعات الإنتاجية، وتحسين كفاءة الأسواق، وتعزيز استقرار السياسة النقدية والمالية، بدلاً من الاكتفاء بالمعالجات قصيرة الأجل.

2026.. هل تتغير المعادلة؟

في ما يتعلق بعام 2026، يرى عبد الكريم أن القراءة الرسمية لا ترقى إلى مستوى التوقعات الاقتصادية المتكاملة، لافتاً إلى غياب النماذج القياسية والسيناريوهات والفرضيات الواضحة المتعلقة بأسعار الصرف والطاقة والإنفاق العام.

 ويشير إلى أن البيانات الأولية توحي بعودة الضغوط التضخمية خلال العام الجاري، في وقت تختلف فيه تقديرات المؤسسات الرسمية عن تقديرات بعض المؤسسات الدولية، الأمر الذي يعكس الحاجة إلى مزيد من الشفافية والمنهجية في عرض البيانات الاقتصادية.

راتب الموظف الجامعي في بداية عام 2026 لا يغطي سوى نحو 35 بالمئة من خط الفقر المدقع- إنترنت

وبينما يظل تباطؤ التضخم مؤشراً إيجابياً من الناحية النظرية، فإن الواقع المعيشي في سوريا يؤكد أن المشكلة الأساسية لم تعد في سرعة ارتفاع الأسعار فقط، وإنما في بلوغها مستويات قياسية تفوق قدرة غالبية الأسر على الاحتمال.

ولذلك، فإن الإجابة عن سؤال “لماذا يستمر الغلاء رغم تراجع التضخم؟” تكمن في أن انخفاض معدل التضخم لا يعني انخفاض الأسعار، وأن تحسن المؤشرات الإحصائية لا يكفي وحده لاستعادة القدرة الشرائية ما لم يترافق مع نمو الإنتاج، وارتفاع الدخول الحقيقية، واستقرار سعر الصرف، وإصلاحات اقتصادية تعالج الاختلالات الهيكلية التي راكمتها سنوات طويلة من الأزمات.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم