ما الأسباب التي تدفع دمشق لشراء الحبوب الأوكرانية المسروقة؟

ما الأسباب التي تدفع دمشق لشراء الحبوب الأوكرانية المسروقة؟
أستمع للمادة

وسط تزايد المخاوف من حدوث نقص عالمي، ارتفع سعر القمح إلى أرقام قياسية متجاوزة المستويات التي شوهدت خلال أزمة الغذاء في 2007-2008، حيث أدى الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 شباط/فبراير الفائت، إلى وقف أكثر من 25 بالمئة من صادرات العالم من المواد الأساسية المستخدمة في كل شيء وخاصة الخبز.

روسيا قصفت ونهبت مخازن الحبوب في أوكرانيا، والتي تمثل عُشر صادرات القمح العالمية، منذ الأيام الأولى لغزوها، مما أدى لارتفاع أسعار المواد الغذائية، وزيادة التوقعات بارتفاع معدلات الجوع في جميع أنحاء العالم، حيث تتهم الدول الغربية روسيا، بالتسبب في خطر مجاعة عالمي بعد إغلاقها موانئ أوكرانيا على البحر الأسود.

أوكرانيا التي تُعد واحدة من أكبر مصدري الحبوب في العالم، تتهم روسيا أيضا بسرقة الحبوب من أراضيها التي احتلتها مؤخرا، حيث تقوم بتصديرها وبيعها لدول أخرى، فوفقا لتصريح نائب رئيس “اتحاد المنتجين الزراعيين الأوكرانيين”، دنيس مارتشوك، في حزيران/يونيو الماضي، فإن روسيا سرقت نحو 600 ألف طن من الحبوب من مناطق أوكرانية محتلة وصدرت بعض هذه الكميات لدول أخرى.

عمليات بيع الحبوب الأوكرانية المسروقة وصلت إلى سوريا، وهذا ما أكدته عمليات الرصد المتواصل، لوصول السفن الروسية التي تقوم بنقل هذه الحبوب وآخرها “ماتروس كوشكا” التي جرى رصدها، قبالة سواحل طرطوس، ووفقا لمصادر متخصصة، فإن السفينة قد تكون أفرغت حمولتها في “ميناء طرطوس”، لتكون الناقلة الروسية هي الثالثة التي تصل السواحل السورية في غضون شهر.

مراكمة الديون على دمشق؟

روسيا وجدت في القمح المسروق من أوكرانيا، فرصة لمراكمة الديون على حكومة دمشق، وفق حديث المستشار الاقتصادي الدولي ورئيس “مجموعة عمل اقتصاد سوريا”، أسامة قاضي، لـ “الحل نت”، والذي يرى بأن بيع القمح المسروق لحكومة دمشق، يؤمن لروسيا إرهاق دمشق بمزيد من الديون، وفي الوقت ذاته قد تسترد موسكو ثمن جزء من الشحنات نقدا بالعملات الأجنبية، الأمر الذي يمكنها من الحصول على مزيد من الأموال، وخاصة أن الحبوب المسروقة هذه، لم تكلف الروس الأموال.

في منتصف حزيران/يونيو الماضي، أظهرت صور أقمار صناعية، سفنا ترفع علم روسيا، وتنقل حبوبا أوكرانية مسروقة إلى سوريا خلال الأشهر الماضية.

كل ذلك، يؤكد دقة الاتهامات التي وجهتها السفارة الأوكرانية في بيروت خلال وقت سابق لروسيا، بإرسالها ما يقدر بنحو 100 ألف طن من القمح المسروق من أوكرانيا، إلى حليفتها دمشق، غير أن الأخيرة نفت ذلك.

أسعار مخفضة وعدم اكتراث بالتبعات

لعل أكثر التساؤلات البارزة حيال ملف القمح الأوكراني المسروق يدور حول أسباب اختيار روسيا بيع القمح الأوكراني المسروق لدمشق، وعدم ممانعة الأخيرة من شرائه، وعن ذلك يجيب الباحث الاقتصادي، كرم شعار، في حديثه لـ “الحل نت”، بأن هناك أسباب عديدة لذلك، أهمها تأمين القمح من جانب حكومة دمشق بسعر أقل من أسعار السوق العالمية، “من المعلوم أن الحكومة، بأشد الحاجة إلى القمح، وتخفيض الإنفاق أيضا، لتقليل نسبة العجز في الموازنة المالية السنوية بسوريا”.

اقرأ أيضا: أول سفينة حبوب تبحر من أوكرانيا ترسو في ميناء طرطوس السوري

 حكومة دمشق تحتاج إلى ما يزيد عن مليوني طن من القمح لتأمين الخبز وصناعة الغذائيات الأخرى مثل “المعجنات والمعكرونة”، بحسب شعار، في حين تقدر مصادر أن الحكومة استطاعت شراء نحو 500 ألف طن من السوق المحلية ومن مناطق أخرى.

صحيفة “وول ستريت جونال” الأميركية، بثت تسجيلا مصورا لما قالت إنها شبكة سرية تستخدمها روسيا لسرقة إنتاج الحبوب من أوكرانيا منذ شباط/فبراير الماضي.

وتظهر لقطات صورت بالأقمار الاصطناعية أواخر أيار/مايو الماضي، رتلا من الشاحنات تفرغ حمولاتها من الحبوب الأوكرانية المسروقة في سفينة روسية، راسية في ميناء سيفاستوبول بشبه جزيرة القرم الأوكرانية التي ضمتها روسيا عام 2014.

في الشهر ذاته، أرسلت وزارة الخارجية الأميركية برقية إلى بلدان عدة، تفيد بأن 3 سفن روسية يشتبه في نقلها حبوبا أوكرانية مسروقة، بحسب الصحيفة، والتي نقلت عن مصدر دبلوماسي أوروبي وصفته برفيع المستوى، اطلع على البرقية، قوله إن مسؤولين روسا نفوا الاتهامات.

الصحيفة علمت أن السفن الثلاث جزء من مسار لتهريب الحبوب المسروقة من أراض استولت عليها موسكو حديثا في أوكرانيا، عبر شبه جزيرة القرم، وصولا إلى بلدان متحالفة مع روسيا في الشرق الأوسط.

وتشير الصحيفة إلى أن روسيا تفعل ذلك بعد أن عرقلت صادرات أوكرانيا من الحبوب، البالغة في الظروف العادية نحو 70 مليون طن سنويا، والتي تمثل جزءا كبيرا من الإمدادات التي يحتاج إليها العالم، لا سيما البلدان النامية.


الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلنسكي، كان قد أعلن في 29 حزيران/يونيو، أن العلاقات بين أوكرانيا وسوريا انتهت، وذلك بعد ساعات من إعلان حكومة دمشق، الاعتراف باستقلال جمهوريتي “دونيتسك” و”لوغانسك” الانفصاليتين.

حكومة دمشق، ردت  في تموز/ يوليو، بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع كييف عملا بمبدأ “المعاملة بالمثل”، وقال مصدر رسمي في وزارة الخارجية السورية، إن دمشق، قررت قطع العلاقات الدبلوماسية مع كييف، وذلك عملا بمبدأ المعاملة بالمثل، وردا على قرار الحكومة الأوكرانية بهذا الخصوص.

الخيار الأسهل

القمح الذي تؤمنه روسيا يعد خيارا ممتازا لحكومة دمشق، وخاصة في ظل صعوبة الحصول على توريداته، بسبب تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا، وتأثيراتها على سلال إمداد الغذاء العالمي، بحسب مصادر خاصة لـ”الحل نت” في دمشق.

ما يهم دمشق هو تأمين القمح فقط دون النظر إلى منشأه أكان من روسيا أو من أوكرانيا، في ظل العجز الكبير في إنتاج ما يكفي منه محليا، وقلة الكميات التي استطاعت الحكومة تسوقها من الحسكة، بسبب شح إنتاجه في الموسم الأخير.

حكومة دمشق، لا تكترث بأي تبعات محتملة نتيجة شراء قمح مسروق، بحسب شعار، وأيضا لا تخشى إغضاب كييف، لأنها أعلنت موقفها المؤيد لروسيا منذ بداية الغزو.

إنتاج سوريا من القمح هذا العام بلغ 1.7 مليون طن، بحسب وزير تصريحات وزير الزراعة السوري، محمد حسان قطنا، لوكالة “سبوتنيك” الروسية، معتبرا أن ذلك الكم من الإنتاج جاء أقل من المتوقع، وأن البلاد تحتاج إلى 3.2 مليون طن.

الظروف المناخية الاستثنائية، بحسب قطنا، أدت إلى ضياع الجهود حيث كان من المخطط هذا العام أن يكون إنتاج سوريا كوحدة إنتاجية كاملة 3.2 مليون طن، لكن بلغ الإنتاج المقدر هذا العام كوحدة إنتاجية متكاملة، بما فيها شمال الفرات والمناطق الأخرى مليون وسبعمائة ألف طن.

ما قبل الحرب كانت الاحتياجات للقمح 3.9 مليون طن، لكن بالوضع الحالي تحتاج سوريا إلى 3.2 مليون طن بما فيها شمال البلاد، احتياجات سوريا للقمح هذا العام تبلغ مليوني طن للخبز فقط وهناك احتياجات أخرى من بذار وسميد وبرغل وفريكة وغيرها.

بيانات وزارة الزراعة الأوكرانية، أظهرت في 14 أيلول/سبتمبر الجاري، أن وتيرة تصدير الحبوب من أوكرانيا تسارعت في هذا الشهر حتى الآن، لكن الكميات لا تزال أقل بكثير من مستويات الموسم الماضي.

إغلاق موانئ أوكرانيا على البحر الأسود، وهو طريق رئيسي للشحن، تسبب في تراجع صادراتها من الحبوب، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الغذاء العالمية وأثار مخاوف من حدوث نقص في أفريقيا والشرق الأوسط.

وتم رفع الحصار عن ثلاثة موانئ على البحر الأسود في نهاية تموز/ يوليو الفائت، بموجب اتفاق بين موسكو وكييف توسطت فيه الأمم المتحدة وتركيا.

قد يهمك: “لوديسيا” سفينة سورية متهمة بسرقة الحبوب الأوكرانية.. ما قصتها؟

بيانات الوزارة، أظهرت أن صادرات أوكرانيا من الحبوب بلغت 1.5 مليون طن في الأيام الثلاثة عشر الأولى من أيلول/ سبتمبر، أي أقل بنسبة 34 بالمئة من 2.3 مليون طن تم تصديرها في الفترة نفسها قبل عام. وكانت الصادرات أقل بنسبة 40 بالمئة في الأسبوع الأول من الشهر.

ولم تذكر الوزارة أي سبب لتسارع الوتيرة، لكن محللين يقولون إن الموانئ البحرية التي أعيد فتحها ساعدت في زيادة الشحنات من أوكرانيا.

شاركها على ...
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير