التعويم الثالث للجنيه.. استقرار للاقتصاد المصري أم حرب جديدة عنوانها “المضاربات“؟

أستمع للمادة

في ظل حالة عدم الاستقرار التي تشهدها سوق العملة المصرية، تبحث الحكومة مع “صندوق النقد الدولي” على مستوى المدراء التنفيذيين موقف مصر من الحصول على الموافقة النهائية لحزمة تمويلية بقيمة 9 مليارات دولار، ويستند ذلك على تعويم ثالث للجنية مقبل قيمة سعر الدولار، على أمل أن يتماسك الجنيه المصري مقابل الدولار.

يأتي ذلك نتيجة لما تشهده سوق الصرف في مصر تحولات كبيرة بعد ظهور فجوة ضخمة في سعر صرف الدولار في السوق الرسمي والسوق الموازي، منذ بداية العام الحالي، وعقب ما شهِده سعر العملة المصرية من تراجع مستمر منذ التعويم الأول الذي أعلن عنه البنك “المركزي المصري” في اجتماعه الاستثنائي خلال آذار/مارس الماضي، عندما انخفض سعر الجنيه إلى نحو 24 بالمئة، بعدما قفز سعر صرف الدولار من مستوى 15.74 جنيه إلى نحو 19.64 جنيه في نهاية تشرين الأول/أكتوبر الماضي.

ما سبب تعويم الجنيه المصري؟

وإلى ذلك، جاء التعويم الثاني في نهاية تشرين الأول/أكتوبر الماضي والذي ما يزال ساريا حتى الآن، وهو ما دفع إلى تراجع سعر الجنيه بنحو 25.25 بالمئة، بعدما ارتفع سعر صرف الدولار من مستوى 19.64 جنيه إلى نحو 24.60 جنيه في الوقت الحالي، وهو ما تسبب بإجمالي خسائر للجنيه المصري منذ آذار/مارس الماضي وحتى تعاملات اليوم، بنحو56.28 بالمئة مقابل الدولار الأميركي الذي ارتفع إلى نحو 8.86 جنيه.

يبدو أن حالة عدم الاستقرار في سوق العملة المصرية أشعل قلقا في الأسواق، مع توقع خسائر فادحة بين المصنّعين والشركات، ودفع الاستثمارات لمزيد من الهروب بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل الذي أضحى مساويا لدول الخليج ذات التكاليف المرتفعة، بحسب تقارير مختصة، أكدت أن الخفض الذي شهده الجنيه المصري منذ بداية العام بالأساس، والذي وصل إلى أكثر من 55 بالمئة، تسبب في صدمات موجعة لجميع الأنشطة الصناعية، ودخولها في حالة من الركود للعام الثاني على التوالي، وهو ما دفع موقع “الحل نت“، لبحث تلك الاحتمالات مع أهل الاختصاص، وإذا ما كانت لمضاربات السوق سببا في ذلك.

حيث بيّن الخبير الاقتصادي عبدالسلام خضر، أن استلام مصر لقرض “صندوق النقد الدولي” بعد موافقته على ذلك، يمكن أن يساهم في استقرار العملة المصرية والاقتصاد وإزالة الخطر عن السوق وحركة التجارة والصناعة نسبيا، كما يمكن أن يحدَّ من حجم الخسائر التي يتعرض لها الجنيه مقابل الدولار بسبب تعويم العملة لمرتين سابقتين، مبيّنا أن “صندوق النقد الدولي” لن يمنح القرض لمصر إذا ما لم يتأكد من أن مصر قادرة على الإيفاء بالتزاماتها وهنا يمكن أن تكمن خطورة الوضع والذي يعزز احتمالية لجوء الحكومة المصرية لتعويم الجنية تجنبا إلى أي احتمالات قد يتسبب بها القرض الدولي، خصوصا في ظل ما تعيشه من وضع اقتصادي صعب.

اقرأ/ي أيضا: بولندا تغيّر مسارها.. قبول نظام الدفاع الجوي الألماني الدلالات والتبعات

يُذكر أن وزير المالية المصري، محمد معيط، توقّع الإثنين الماضي، صرف الدفعة الأولى من قرض “صندوق النقد” والبالغة نحو 750 مليون دولار خلال الشهر الجاري، ويربط محللون وخبراء اقتصاديون بين وصول أول شريحة تمويلية من “صندوق النقد الدولي“، وبين استقرار سوق الصرف في مصر، في ظل الخسائر المتتالية للجنيه المصري مقابل الدولار الأميركي.

مصر كانت قد توصلت خلال تشرين الأول/أكتوبر الماضي، إلى اتفاق على مستوى الخبراء مع “صندوق النقد الدولي” لبرنامج إصلاح بقيمة 3 مليارات دولار، يتوقع الموافقة عليها في هذه الأيام القليلة من الشهر الحالي.

ليست المضاربات وحدها السبب

من جهته، خضر واصل حديثه لموقع “الحل نت“، قائلا إنه في الحسابات الاقتصادية والسياسات المالية، عندما تواجه دولة ما ارتفاع سعر الدولار في سوقها السوداء، هذا يكفي إلى أن يدفعها إلى التحرك سريعا لوضع ضوابط صارمة للتعامل مع البنوك في مسألة بيع الدولار وتوزيعه، خصوصا وأن المصارف هي المسؤولة عن الدولار وتدفقه إلى الأسواق، وإلى جانب ذلك أن تكون هناك متابعة وتعاون مع “البنك الدولي” نفسه والأخذ باستشاراته حتى يمكن تحقيق الاستقرار للعملة المحلية، وإلا عدم التعامل مع الأمر بهذه الطريقة يعني أنه سيترك العملة المحلية في الانهيار، وحينها لن يكون هناك حلا سوى تعويمها.

وفقا لهذا السيناريو، فإن انهيار العملة المحلية المصرية لا يمكن تحميل مسؤوليتها إلى المضاربات في السوق وحدها، بحسب الخبير الاقتصادي، الذي أشار إلى أن مضاربات العملة في الأسواق هي عادة ما تكون نتيجة لحالة ما؛ مثل التي تحدّثنا عنها في مصر، وهي أن تكون السياسيات المالية بالية، والاقتصاد متصدع، بالتالي تتنامى المضاربات بسبب لجوء أصحاب الأموال والأعمال إليها كحل لاستمرار نشاطاتهم المالية التي تتطلب تعاملا بالدولار، لذلك يتجهون إلى المضاربات للحصول عليها، لافتا إلى أنه بعد ذلك تتحول المضاربات إلى أداة تتحكم بالسوق، لأنها وحدها من توفّر حاجة المستثمرين.

اقرأ/ي أيضا: الازدهار السكاني في إفريقيا.. النتائج والآثار لتعزيز الاقتصاد والأهمية العالمية

مديرو الشركات حذّروا من أن التعويم المرتقب للعملة الوطنية سيؤدي إلى موجة جديدة من الغلاء، وفقا لتقارير. وقد تصل إلى 35 بالمئة من الأسعار السائدة، لجميع السلع والخدمات، دفعة واحدة، كما يمكن أن يؤدي إلى استمرار حالة الانكماش في الاستثمارات المحلية والأجنبية، في ظل التراجع المستمر لسعر صرف العملة المحلية، بالإضافة إلى الضغوط التضخمية العالمية والمحلية، وتراجع الأرباح وقيمة الاستثمار بالشركات، في وقت تشير التوقعات إلى أن قرض “البنك الدولي” في حال وصوله سيحقق الاستقرار المطلوب.

وفقا لمؤشر مديري المشتريات الصادر عن وكالة “ستاندرد آند بورز” الصادرة يوم الأحد الماضي، فأن الشركات عانت من انكماش ملحوظ في الأعمال خلال تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، كما تراجع مؤشر مديري المشتريات على نحو كبير من 47.7 نقطة في تشرين الأول/أكتوبر إلى 45.4 نقطة في تشرين الثاني/نوفمبر.

حركة الجنيه مقابل الدولار

كذلك رصدت بيانات المؤشر، أن الشركات تعاني من ارتفاع تكاليف التشغيل المتسارع، وانخفاض الطلبات الجديدة، بما أجبرها على خفض الإنتاج، لأقل معدل منذ كانون الثاني/يناير 2017، أثناء فترة وباء “كورونا” في 2020، ما بينت أن معدل تراجع الطلب يعزى إلى خفض الإنفاق من العملاء بسبب التضخم السريع وارتفاع أسعار الفائدة، وانخفاض الصادرات، في ظل تباطؤ الأوضاع الاقتصادية العالمية.

تقرير “ستاندرد آند بورز” لفت أيضا، إلى أن تراجع الجنيه أدى إلى تسارع حاد وفوري في تضخم أسعار المشتريات لتصل إلى أعلى مستوى في 52 شهرا، وفي ظل هبوط قيمة العملة، بيّن تقرير لصحيفة “اندبندنت عربي” البريطانية، في تقرير نُشر الأحد الماضي، أنه في سوق الصرف المصرية الرسمية، سجل أعلى سعر لصرف الدولار في بنوك “الاستثمار العربي” و“المصري الخليجي” ومصرف “أبوظبي الإسلامي“، عند مستوى 24.58 جنيه للشراء، مقابل 24.60 جنيه للبيع.

وفي خمسة بنوك بقيادة بنك “المشرق والكويت الوطني” سجل سعر صرف الدولار مستوى 24.55 جنيه للشراء، مقابل 24.60 جنيه للبيع، فيما سجلت الورقة الأميركية مستوى 24.54 جنيه للشراء مقارنة بنحو 24.62 جنيه للبيع لدى البنك “المركزي المصري“، بينما كان أقل سعر لصرف الدولار في 10 بنوك بقيادة بنك “البركة وقناة السويس” عند مستوى 24.50 جنيه للشراء، مقابل 24.60 جنيه للبيع، وفي أكبر بنكين حكوميين هما البنك “الأهلي المصري” وبنك “مصر” استقر سعر صرف الدولار عند مستوى 24.50 جنيه للشراء، مقابل 24.55 جنيه للبيع.

يُشار إلى أن مصر تحتاج إلى قرض صندوق “النقد الدولي“، وما تبعه من حزمة تمويلية بقيمة 9 مليارات دولار، منها 3 مليارات دولار من صندوق “النقد الدولي”، ومليار دولار من صندوق الاستدامة، و5 مليارات دولار من الدول الشريكة للتنمية لتمويل الموازنة المصرية.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول اقتصاد