في ظل مشهد إقليمي ملتهب ومتسارع الخطى نحو الانفجار، تتلقى فيه الفصائل المندرجة ضمن ما يسمى “محور المقاومة” ضربة تلو أخرى تتزايد قوة وتأثيرًا، مما أدى إلى إضعاف وشل بعضها، وزعزعة هيكلية وقوة البعض الآخر.
في هذا السياق، تحيط الضبابية بمآل التدخلات الإقليمية في سوريا، وخصوصًا التدخلات الميليشياوية، وموقف حكومة دمشق تجاه الحرب الإسرائيلية على حليفها اللبناني وتداعياتها، ما يدعو للتساؤل حول مستقبل الساحة السورية؛ هل ستكون هناك فرصة لحل هذه التداخلات المتشابكة، أم أن التعقيد سيزداد؟
مؤخرًا، بدأ “حزب الله” بتقليص وجوده في سوريا عقب الهجمات الإسرائيلية التي يتعرض لها في لبنان، حيث يعمل الحزب على نقل المئات من عناصره من محافظتي حمص وحماة، ومناطق الميادين والبوكمال في محافظة دير الزور، وبعض أحياء العاصمة دمشق إلى لبنان. لكن اللافت هنا هو حلول قوات تابعة لـ “الحشد الشعبي” العراقي، التي دخلت حديثًا إلى سوريا، في الأماكن التي أخلاها الحزب.

ومن الأجدى مراقبة قدرة الحزب على نقل قواته من سوريا إلى لبنان، نظرًا للمخاطر اللوجستية التي تواجهه. “قد تضربهم إسرائيل أثناء تنقلهم”، قال زميل مركز ويلسون جو ماكرون لـ”سوريا على طول”. يضيف الموقع أن “حزب الله” وسواه من الميليشيات الموالية لإيران، في جنوب وشرق سوريا على حد سواء، يبدو أنهم في موقف دفاعي، وتحركاتهم حذرة ومدروسة في سعيهم لتجنب الضربات الجوية الإسرائيلية وضربات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.
ضربات قد تكون وراء مطالبة موسكو بإخلاء مقار الميليشيات التابعة لإيران القريبة من مطار دير الزور العسكري، ومن مواقع أخرى في مدينة دير الزور، تجنباً لأي تماس مع القوات الأميركية وقوات “التحالف الدولي”، حيث أشارت شبكة “دير الزور 24” المحلية، إلى اجتماع عقد مؤخرًا بين مندوب عن القوات الروسية في سوريا وممثل عن “الحرس الثوري” في دير الزور. وخلال الاجتماع، طلب الجانب الروسي “ترحيل جميع النقاط والمقرات الإيرانية القريبة من مطار دير الزور العسكري ومبنى التنمية في حي هرايش، ومبنى القوى البشرية في حي الموظفين، والمطبخ الإيراني قرب مديرية النقل”.
تقليص النفوذ الإيراني بين التعويم والتهديد
سابقًا، نصحت موسكو وأبو ظبي الأسد “بعدم التورط في الحرب بأي شكل من الأشكال”، مع وجود رغبة روسية بـ “تقليص النفوذ الإيراني في سوريا، باعتباره إحدى العقبات أمام إعادة تعويم النظام، لا سيما في العلاقة مع الأتراك”، حسب الباحث المقيم في لندن، حسن شغل.
الأمر ليس بالسهولة التي يتصورها البعض، قال المحلل السياسي المختص بقضايا الشرق الأوسط والمقيم في واشنطن عبد الله الحايك لـ “الحل نت”. فالتقديرات التي تشير إلى مواصلة إسرائيل استراتيجيتها المناهضة للنفوذ الإيراني المتعزز في سوريا، عبر استهداف القادة الميدانيين لوكلائها في سوريا، بما فيهم قادة “حزب الله”، تضع الأسد في موقف معقد للغاية.
فالأسد يعتمد بشكل كبير على “حزب الله” لحماية منظومته، ونتيجة لهذه الضربات المتواصلة وتراجع قدرات الحزب العسكرية، يجد الأسد نفسه في مواجهة ضغط كبير لاتخاذ قرارات حاسمة حول كيفية التعامل مع هذا الوضع.
لكن الجدير بالذكر، حسب مجلة “نيولاينز”، ليس تجنب دمشق لأي مواجهة مع إسرائيل فحسب، بل صمتها الواضح. حيث خفّفت حكومة دمشق من لهجتها خلال الصراع، وامتنعت عن إصدار بيانات الدعم المعتادة لـ “حزب الله” أو إيران بعد الهجمات الكبرى التي تعرض لها الطرفان.
بجانب ذلك، استمر التلفزيون السوري في بث الأغاني والبرامج العادية في أعقاب الهجمات الإسرائيلية ومقتل كبار قادة “حزب الله”. وعندما أصدرت دمشق بيانًا بعد الهجمات الإسرائيلية المتزايدة في لبنان مؤخرًا، أعربت عن تضامنها مع لبنان دون ذكر “حزب الله” أو التأييد القوي المعتاد لـ “محور المقاومة”.
حكومة دمشق، ومنذ اليوم الأول لعملية “طوفان الأقصى” في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، اعتمدت استراتيجية النأي بالنفس واستطاعت أن تبقى بعيدة عما يحصل في المنطقة، وهي استراتيجية ليست جديدة عليها، حسب الصحفي السوري، فراس علاوي، الذي ذكّر خلال حديثه لـ “الحل نت” بالانعطاف السياسي للأسد الأب عام 1989، عندما بدأت مظاهر انهيار وتفكك الاتحاد السوفيتي تظهر للعيان.
حينها، قفز الأسد الأب من المركب السوفيتي واتجه نحو الولايات المتحدة الأميركية، عبر المشاركة في “التحالف الدولي” للحرب على العراق، وحضور مؤتمر مدريد للسلام، والانخراط في الاستراتيجية الأميركية في المنطقة عمومًا.
ويعتقد علاوي أن الأسد الابن يحاول محاكاة هذه الاستراتيجية، عبر الابتعاد عن المحور الإيراني قدر الإمكان، ولو ظاهريًا، لتجنب الضرر، لا سيما بعد الضغط العربي والتهديد الإسرائيلي المباشر له للابتعاد عن المحور الإيراني. مع ذلك، يشير الصحفي السوري إلى وجود تيار قوي داخل منظومة الأسد يدعم إيران، مما يضعه أمام خيارين: إما النأي بالنفس وتجنب الصدام، أو الانخراط في المحور الإيراني نتيجة ضغط مراكز القوى الداعمة لإيران داخل دمشق. وحينها، قد يتلقى ضربات من إسرائيل وأميركا.
ومنذ اندلاع الحرب في غزة خريف العام الماضي، بدا أن الأسد يشعر بقلق بالغ من أي تورط في الصراع، حسب الحايك. إذ أرسلت إسرائيل رسالة واضحة للأسد في نيسان/أبريل 2024: “إذا شاركت في الحرب، ستدمَّر”. وكانت الرسالة كفيلة بإبقاء سوريا خارج دائرة الصراع بشكل مباشر، رغم بقاء الأسد كجزء لا يتجزأ من “محور المقاومة” بقيادة إيران.
إعادة انتشار أم انحسار؟
أخلى “حزب الله” منطقة مدينة البوكمال والحدود العراقية، متجهًا نحو الريف خوفًا من ضربات التحالف الدولي، حسبما أفادت صحف محلية. إلى جانب ذلك، غادر عدد من كبار أعضاء “الحرس الثوري” الإيراني سوريا، منهم الحاج كامل، الذي يرأس لواء محافظة دير الزور والصحراء الشرقية، والحاج عامر، المسؤول عن العمليات المالية.
لعل ذلك من تداعيات الحرب القائمة على “حزب الله”، قال العقيد السوري المنشق والمحلل العسكري أحمد الحمادة لموقع “الحل نت”. فالجهد العسكري ينتقل شيئًا فشيئًا باتجاه جنوب لبنان، وكلما طالت مدة الحرب، سيعمل الحزب على نقل بعض جنوده في تلك المنطقة.
لكن السؤال المطروح هنا: هل سيمتد تأثير هذه الحرب إلى الأراضي السورية، مما قد يفسر إعادة الانتشار التي تقوم بها الميليشيات الإيرانية، بما فيها “حزب الله”، تحسبًا لأي ضربات إسرائيلية؟ قد تكون الضربة الإسرائيلية المنتظرة على إيران، وردود الفعل الناتجة عنها، ذات أثر كبير على تواجد هذه الميليشيات في سوريا، إلى جانب التأثير الإسرائيلي عليها، حسب الحمادة.
بدوره، يُشير علاوي، وهو من أبناء محافظة دير الزور، إلى أن إعادة انتشار وتموضع هذه الميليشيات هو أمر إجباري وروتيني، نظرًا لاستراتيجية إسرائيل القائمة على منع استقرار هذه الميليشيات في مكان واحد، وبالتالي إقامة قواعد دائمة. ولمنعها من الاقتراب وتشكيل خطر على قواعد التحالف الدولي في المنطقة، يتم استهدافها بشكل مباشر.
أيضًا، للموضوع صلة بالتقييمات، الخطر، العمليات العسكرية، والتوترات على الأرض، حيث توجد ميليشيات تابعة لـ “الحشد الشعبي” العراقي أو “الحرس الثوري” الإيراني تدخل وتخرج من العراق إلى سوريا وبالعكس. وقال علاوي: “الحدود مفتوحة بشكل كامل أمامها”.
وفي سياق متصل، وثّق “المرصد السوري لحقوق الإنسان” تعزيز قوات “التحالف الدولي” لقواعدها العسكرية في المنطقة بالجنود والمواد العسكرية واللوجستية، بما فيها أسلحة متطورة وذخائر وصلت على متن 8 طائرات شحن، في ظل الهجمات التي تتعرض لها قواعد التحالف من قبل الميليشيات المدعومة من إيران، مع استمرار التوترات الحاصلة في المنطقة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، والأحداث الحالية في لبنان.
الجنوب السوري: جبهة محتملة؟
في خضم التصعيد الإقليمي، برزت التطورات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة على الحدود السورية اللبنانية كجزء من استراتيجية أوسع تستهدف قلب الموازين في المواجهة مع “محور المقاومة” الإيراني، بحسب الحايك. فقد شهدت الساحة السورية حشدًا مكثفًا للميليشيات المدعومة من إيران على الحدود مع إسرائيل، بالتزامن مع التحركات غير المسبوقة للأخيرة في جنوب لبنان، بما في ذلك الغارات الجوية على الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل “حزب الله” الرئيسي، مما أدى إلى قطع طرق حيوية بين لبنان وسوريا.

برأي الحايك، إضعاف الحزب لا يمثل ضربة قاسية لإيران فقط، بل هو تهديد وجودي للرئيس السوري بشار الأسد الذي يعاني من تآكل نفوذه العسكري والسياسي في سوريا. ومع استمرار التصعيد الإسرائيلي، سيجد الأسد نفسه في زاوية ضيقة، مضطرًا لاتخاذ خيارات صعبة قد تهدد بقاءه على المدى الطويل، خاصة في ظل المخاوف من توسع الحرب الإقليمية.
وكان من المتوقع أن تتخذ حكومة دمشق موقفًا قويًا تجاه الحرب الإسرائيلية على “حزب الله”، لكون الأخير حليفًا رئيسيًا، ولثقله العسكري في جبهات الأسد ضد معارضيه على مدى السنوات الـ13 الماضية، مما جعل الحزب مكشوفًا للمخابرات الإسرائيلية، وفقًا لبعض المصادر الإعلامية. مع ذلك، وبمعزل عن تغطية بعض أنشطة الحزب وسواه من الميليشيات الإيرانية تحت غطاء القوات الحكومية، لا يبدو أن الأسد بوارد اتخاذ هذا الموقف.
فـ “لا توجد تحركات واستعدادات كبيرة من قبل دمشق والإيرانيين تشير إلى عمل عسكري أو إمكانية فتح جبهة جديدة ضد إسرائيل”، قال قائد سابق للجبهة الجنوبية المعارضة في درعا.
يضيف القائد السابق: “تلقينا معلومات هذا الأسبوع تشير إلى أن حزب الله أجرى بعض التغييرات في مواقعه في سوريا، مع انسحابات من جبهة القنيطرة”، المتاخمة لمرتفعات الجولان التي تسيطر عليها إسرائيل. ومع ذلك، من الصعب اكتشاف تحركات “حزب الله” والقوات الأخرى المدعومة من إيران، لأنها تحدث “تحت غطاء القوات النظامية، وخاصة الفرقة الرابعة”.
وفي اللحظة الحاسمة لمحور إيران، تفتقد استراتيجية “وحدة الساحات” الإيرانية جزءًا فريدًا من مكانتها، سوريا، بحسب مجلة “نيولاينز”. ورجحت المجلة تسامح إيران مع مثل هذا الموقف، مع تفضيلها إشراك سوريا، لكنها لا تملك سوى خيارات قليلة إذا اختلفت كل من دمشق وموسكو معها.
- وثائق تكشف التحضير لإعدامات في مطار المزة.. ماذا يمكن أن يضيع إذا أعيد تطويره؟
- يوسف عباس يضع أول بصمة موسيقية عراقية في “هوليوود”.. تفاصيل
- صاروخ “حوثي” إلى الرياض.. والتصعيد يضغط على السعودية
- أوقاف اليمن ترد على مفتي عُمان: تصريحاتكم تجافي واقع المأساة
- أكثر من 2000 سفينة عبرت هرمز خلال شهرين.. ترامب يقول إن الحرب ستنتهي قريباً

