الرابحون والخاسرون.. آسيا الوسطى بين الطموح الجيوستراتيجي والاستنزاف التركي

أستمع للمادة

بعد فشلها خلال السنوات الماضية في إقامة علاقات جيدة مع الدول الغربية، تسعى تركيا إلى إكمال مشوار التوسع في دول الوسط الآسيوي مستغلة تحسن هذه الدول من الناحية الاقتصادية، وحاجتها لبناء علاقات خارج آسيا بعيدا عن موسكو وبكّين، لا سيما مع استمرار الغزو الروسي لأوكرانيا.

المخاوف ازدادت مؤخرا من احتمالية مساهمة أنقرة في نشر الفوضى والتسبب في النزاعات داخل آسيا، ذلك بالنظر لما حصل بين أذربيجان وأرمينيا من مواجهات عسكرية، ومؤخرا بين إيران وأذربيجان من توتر متصاعد، كان لأنقرة دور بارز في كل منهما.

تطلعات أنقرة الآسيوية

تركيا بدأت مؤخرا في دمج سياسة تتجه نحو الشرق مع تطلعاتها الجيوسياسية، إذ تسعى أنقرة إلى توسيع نطاق وصولها شرقا إلى آسيا الوسطى، على أمل تشكيل تحالف مع الدول الأخرى الناطقة بالتركية.

حاولت تركيا التوسع إلى أذربيجان عبر اتفاق الربط البري من منطقة “ناخيتشيفان” على الحدود الأرمينية لزيادة مكاسبها الجيوسياسية، تمهيدا لفتح خط يصل أنقرة بالعمق الآسيوي، ذلك ما كان سببا في تصاعد القلق الإيراني.

فأصبحت المواجهة العسكرية بين إيران وأذربيجان احتمالا مفتوحا، حتى ولو تعددت الأسباب، لكن تدخل أنقرة زاد من حدة الخلافات في مثلث أذربيجان إيران أرمينيا، بعد أن دعمت أنقرة كذلك أذربيجان عسكريا في إطار مواجهتها مع أرمينيا قبل نحو عامين.

توسع تركيا باتجاه أذربيجان، اعتبرته طهران خسارة جيوسياسية كبيرة على المستوى الإقليمي، فمع نجاح اتفاق الربط البري، ستتمكن تركيا من الوصول إلى دول آسيا بدون الحاجة لإيران كما كان الوضع سابقا، وسيتصاعد بالتدريج التوتر بين إيران وأذربيجان، إن كان بسبب اتفاق الربط البري أو لأسباب تتعلق بالخلافات بين الجانبين لا سيما المتعلقة بالمناطق الشمالية في إيران والتي تطالب بالانفصال وتشكيل “أذربيجان الكبرى” مع أذربيجان الحالية، باعتبار معظم سكانها أذريين.

قد يهمك: اشتعال التوترات بين إيران وأذربيجان.. ما علاقة المكاسب الجيوسياسية الأذربيجانية والتركية؟

بالطبع فإن تركيا لا تهتم كونها ستكون أحد أسباب هذا التوتر بين الدول، أو توترات لاحقة بين دول آسيا، طالما أن مصلحتها الجيوستراتيجية محققة، فهي خرقت بالاتفاق الأخير الغاية من الخرائط الحالية، التي كانت على أساس عزل تركيا الحالية عن دول الآسيان، ما جعل إيران كذلك تعتبر أن ما تسعى إليه تركيا هو انقلاب جيوسياسي في المنطقة.

أذربيجان نقطة انطلاق

إذاً فأنقرة استخدمت أذربيجان كنقطة انطلاق نحو آسيا الوسطى، مستغلة علاقاتها الجيدة معها والدعم العسكري الذي قدمته للأذريين في حربهم ضد أرمينيا، فضلا عن الجذور العرقية واللغة المشتركة بين الجانبين، فيكون الانطلاق نحو آسيا بديل لعلاقات أنقرة المتوترة مع الغرب.

بوتيرة متسارعة تسعى الآن تركيا بقيادة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، لتعزيز علاقاتها مع دول آسيا الوسطى، لا سيما من الناحيتين الاقتصادية والسياسية، وقادت تركيا قمة “دول آسيا الوسطى” الشهر الفائت، مع الدول “الناطقة بالتركية” تحت تحالف يسمى “منظمة الدول التركية“، مستغلة انشغال موسكو في غزو أوكرانيا، وتراجع نفوذ موسكو في آسيا.

القمة التي انعقدت في الـ11 من تشرين الثاني/نوفمبر الفائت، جمعت الدول الناطقة بالتركية في مدينة سمرقند الأوزباكستانية، إذ تصمم أنقرة الحصول على وضع موطئ قدم في آسيا، لتجمع دول أذربيجان وكازاخستان وقيرغيزستان وأوزبكستان في آسيا الوسطى.

كذلك تسعى تركيا لضم تركمانستان إلى هذا التحالف، وألمح وزير الخارجية التركي قبل أسابيع أن مشاركة تركمانستان كعضو كامل في منظمة الدول الناطقة بالتركية قريب، لكن تركمانستان ما تزال متحفظة بشأن الانضمام رسميا لهذا التحالف.

وفق تقرير لصحيفة “آسيان نيوز“، فقد شهدت قمة سمرقند الشهر الفائت، وصول الرئيس السابق ورئيس مجلس الشيوخ قربانقولي بيردي محمدوف، إلى سمرقند وليس نجله الرئيس الحالي سردار، بينما وصل رئيس الوزراء فيكتور أوربان من بودابست، إذ تفضل تركمانستان حتى الآن الاحتفاظ في البقاء على هامش العضوية الكاملة.

منظمة “الدول الناطقة بالتركية”

الجهود التركية لبناء تحالفات سياسية مع دول الاتحاد السوفيتي السابق ليست بجديدة، وبدأت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في عام 1991، حيث أنشأت أنقرة وكالة “التعاون والتنسيق التركية“، لزيادة العلاقات الثقافية والاقتصادية مع دول آسيا الوسطى. وبعد عقدين من الزمان، في عام 2009، تم تشكيل مجلس “التعاون للدول الناطقة بالتركية” المعروف باسم “المجلس التركي” رسميا، لكن النفوذ الروسي المستمر في هذه الدول أعاق أهداف أنقرة لعدة عقود.

تركيا رأت في الغزو الروسي لأوكرانيا فرصة لزيادة نفوذها في آسيا الوسطى، لكن المخاوف بدأت تظهر من التحركات التركية، إذ أنها قد تكون سببا في انهيار العلاقات بين موسكو وهذه الدول، ما يعني مزيد من التوتر في آسيا بسبب دخول أنقرة التي تسعى بالدرجة الأولى إلى تحقيق مصالحها الجيوسياسية بصرف النظر عما يمكن أن تسببه من فوضى ونزاعات في المنطقة.

خاصة وأن روسيا لا يتوقع لها أن تقبل التوسع التركي في المنطقة التي كان لها نفوذا بارزا على مدار العقود الماضية، بل ستنظر له كتهديد وفي أفضل الأحوال غير مرغوب فيه، ما يفتح المجالات لظهور ربما تحالفات جديدة في المنطقة بين أنقرة وموسكو ستكون ضحيتها بالطبع الدول نفسها، التي عليها أن تختار التحالف مع أنقرة أو البقاء على تواصل جيد مع موسكو.

وقد بدأت فعلا روسيا خلال الأسابيع الماضية، بإطلاق جهود من شأنها إعادة ترتيب أوراقها مع دول آسيا الوسطى، مدفوعة بالطبع بدخول قوى جديدة إلى المنطقة منذ بدء الحرب الأوكرانية أبرزها الصين وتركيا.

لكن موسكو اصطدمت مؤخرا بمخاوف هذه الدول، بعدما رأت ما حصل في أوكرانيا، حيث ظهرت مخاوف من أن تلقى مصيرا مشابه لأوكرانيا، في حال حدوث أي خلاف أو عدم توافق مع سياسة موسكو، فاتجهت لإقامة علاقات بعيدا عنها.

لذلك فإن روسيا وجدت نفسها مضطرة لتقديم التطمينات إلى هذه الدول، وتصحيح مسارات استراتيجيتها ليس فقط اتجاه هذه البلدان، بل واتجاه كل المنطقة بما يتسق ومتغيرات الأوضاع الجيوسياسية الإقليمية والدولية، لقطع الطرق على تركيا.

استغلت أنقرة تقويض الدور الروسي في آسيا الوسطى، لا سيما بالنظر إلى المواجهتين العسكريتين اللتين حصلتا مؤخرا، بين أذربيجان وبين أرمينيا من جهة وقرغيزستان وطاجيكستان من جهة أخرى، إذ لم يكن لروسيا دور بارز في تهدئة الأوضاع، فكان الدور الأوروبي والأميركي والتركي الأكثر حضورا في تهدئة الأوضاع.

التوسع التركي في آسيا الوسطى شمل جوانب عديدة، فعملت أنقرة على تعميق العلاقات العسكرية مع دول الاتحاد السوفيتي السابق، لا سيما مع بيع الطائرات بدون طيار. كما أنها تستعرض قوتها الناعمة من خلال تمويل المساجد في المنطقة وتخصيص الأموال للمدارس والمنح الدراسية.

بحسب تقرير لموقع “يور أكتف” الذي نقل عن “مركز التجارة الدولية”، وهو وكالة مقرها جنيف وملحقة بمنظمة التجارة العالمية والأمم المتحدة، فإن حجم التجارة بين تركيا وآسيا الوسطى في عام 2019 بلغ حوالي 7.3 مليار دولار.

هذا الرقم أقل بكثير من حجم تجارة آسيا الوسطى مع الاتحاد الأوروبي وروسيا، والذي يقول “مركز التجارة الدولية” إنه بلغ حوالي 29 مليار دولار في ذلك العام، ومع الصين.

مساعي تركيا تجلت كذلك من خلال عدد من اتفاقيات التجارة والدفاع وكذلك مبيعات الأسلحة. ففي آذار/مارس 2022، زار أردوغان أوزبكستان لتعزيز الشراكة التركية الأوزبكية، ووقّعتا عشر اتفاقيات خلال الزيارة، فيما تعهد البلدان بزيادة حجم التجارة الثنائية إلى 10 مليارات دولار.

عززت مبيعات الأسلحة أحد أقوى صادرات تركيا وأكثرها ربحا صورة البلاد في آسيا الوسطى، حيث اجتذبت الطائرات بدون طيار التركية اهتمام دول آسيا الوسطى، خصوصا بعد أن استخدمتها أوكرانيا لتدمير المعدات العسكرية الروسية، وأذربيجان ضد أرمينيا في حرب ناغورنو كاراباخ عام 2020، وأماكن أخرى.

في المقابل فإن دول آسيا الوسطى ترى من وجهة نظرها، أن إظهار تركيا للتحول الأوروبي الآسيوي في السياسة، فسح المجال لها لتكوين علاقات جيدة مع الغرب بعيدا عن موسكو، لا سيما في ظل استعداء موسكو لمعظم دول العالم، فهل تكون أنقرة هي الخيار الأنسب.

بُعد اقتصادي في آسيا الوسطى

كذلك فإن انخفاض الفائدة الاقتصادية القادمة من روسيا إلى هذه الدول بسبب العقوبات الاقتصادية على موسكو، جعل من الاتفاقيات التي قدمتها أنقرة دافعا لدول وسط آسيا من أجل تحريك اقتصاداتها، الذي كان يعتمد بشكل كبير على روسيا.

فدول آسيا الوسطى البعيدة جغرافيا عن مراكز الاقتصاد العالمي، كانت تعتمد على روسيا والصين في صادراتها، وبالتالي فإن ارتفاع النمو الاقتصادي في هذه الدول وعزلة روسيا، دفعها للبحث عن شركاء اقتصاديين خارج آسيا.

هذه الدول تعاني من الفقر والتخلف رغم أنها دول غنية بالثروات الطبيعية، خاصة النفط والغاز الطبيعي واليورانيوم والذهب والعديد من المعادن التي تؤثر في مسار القرار السياسي العالمي حاليا، وبالتالي فإذا ما أرادت هذه الدول تحقيق النمو والتقدم المطلوب فهي بحاجة إلى إيجاد مراكز استيراد لصادراتها المتنوعة.

بيانات البنك الدولي تشير إلى أن دول آسيا الوسطى الخمس التي تتكون من كازاخستان وأوزبكستان وطاجيكستان وتركمانستان وقيرغيزستان، وصل حجم اقتصادها 431.3 مليار دولار في عام 2021.

كازاخستان أكبر الدول الخمس التي تكوّن آسيا الوسطى، تنتج يوميا نحو 1.6 مليون برميل يوميا من النفط وبلغ الإنتاج نحو 1.8 مليون برميل يوميا في عام 2020، وهو ما يقارب إنتاج دولة خليجية مثل الإمارات العربية المتحدة أو الكويت، إذ ينتج حقل واحد في كازاخستان وهو حقل “تنغيز” نحو نصف مليون برميل يوميا.

وهذا الحقل، هو ثاني أضخم حقل في العالم بعد حقل “غوار” السعودي ويبلغ احتياطيه نحو 6 مليارات برميل. وعلى صعيد الغاز الطبيعي تشير البيانات الكازاخية الرسمية إلى أن كازاخستان انتجت نحو 54 مليار متر مكعب من الغاز في عام 2021 وتخطط لرفع الإنتاج إلى نحو 87 مليار متر مكعب بحلول عام 2030.

بالتالي فإن حاجة هذه الدول لشركاء اقتصاديين، كانت دافعا لأنقرة لاستغلال هذه الحاجة، كبوابة للاجتياح الجيوسياسي التركي للوسط الآسيوي، لا سيما كذلك مع حاجة تركيا للطاقة في ظل أزمة الطاقة العالمية.

خلاصة واستنتاجات

بناء على المعطيات السابقة، فإن الدور التركي لا يمكن التعويل عليه، بالنظر إلى جميع الدول التي تدخلت فيها أنقرة خلال السنوات الماضية مثل سوريا وليبيا، فضلا عن دورها في تصاعد وتيرة النزاعات بين أذربيجان وإيران، لذلك فالعلاقة مع أنقرة لا يمكن لها أن تكون على أساس المصالح المتبادلة نظرا لطريقة أنقرة في التعاطي.

بالعودة إلى الواقع بعيدا عن التحليل، فإن الدور التركي في آسيا سيُواجه بكثير من التحديات والخصوم، ففضلا عن روسيا ظهر مؤخرا الخصم الإيراني، الذي لا يرغب بالتأكيد بالسماح لأنقرة بالتمدد نحو آسيا نظرا للخسائر الجيوسياسية الذي سببها هذا التمدد.

الخصومة الإيرانية التي تواجهها تركيا، بدأت تتصاعد منذ فتح ممر “ناختشفان“، الذي يعد بمثابة ضربة ازدواجية لمصالح إيران، إذ أنه ليس فقط تسبب بخسارة جزء كبير من حركة المرور عبرها، ولكن أيضا خطر التدفق المربح للبضائع من تركيا إلى آسيا الوسطى. ففي جلسة تخطيط في عام 2015، توقع سفير تركمانستان في تركيا، آتا سيرداروف، أن الطريق عبر قزوين يمكن أن يتعامل مع جميع التجارة التركية إلى آسيا الوسطى دون عبور إيران.

كذلك تواجه تركيا النفوذ الصيني في آسيا، الذي بالتأكيد سيشكل اندماج “الدول الناطقة بالتركية” في حلف يشكل تهديدا حاسما لنفوذها، ولن تقبل بكين ما ترفعه منظمة “الدول التركية” من شعارات تنفي خطط الهيمنة والتحدي لنفوذ “الحزب الشيوعي الصيني“.

فالحزب الشيوعي ما يزال يتبع سياسة إضعاف القوى الإقليمية والناشئة للاحتفاظ في سلطته ونفوذه، لكن ومع ذلك يرى محللون أن تحالف منظمة “الدول الناطقة بالتركية” وتوسع تركيا في آسيا، لا يمكن إيقافه إلا عبر تحول الدول المعنية لمنع الدخول في احتمالية تصاعد التوتر ولفوضى في المنطقة بسبب دور أنقرة السلبي.

ما تدعي أنقرة أنها ستقدمه إلى دول آسيا الوسطى، لا يعدو كونه مغريات محدودة ومؤقتة تتعلق بالاقتصاد والدين والثقافة، للموافقة على انخراط تركيا في العمق الآسيوي، الذي في الحقيقة يقوم على تحقيق مصالح أحادية، ومن شأنه ربما نشر المزيد من الفوضى والتوتر بين الدول الآسيوية التي تعاني أصلا من بعض التوترات بين بعضها البعض.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة