بموازاة الجهود الدولية والإقليمية بقيادة السعودية في محاولات التوصل إلى سلام شامل ينهي حالة الحرب التي تدور رحاها منذ 8 أعوام في اليمن، يبدو أن جماعة “الحوثيين” تسعى إلى استغلال الرغبة الكبيرة من قبل تلك الأطراف والحكومة اليمنية في تحقيق السلام، لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، فبينما تعطّل التوصل إلى اتفاق بفرض شروط تعجيزية، عادت هذه المرة لتهدد الحكومة من اتخاذ أي خطوة لإعادة تصدير النفط. 

زعيم جماعة “الحوثيين”، عبدالملك الحوثي، لوّح أمس الثلاثاء، باتخاذ إجراء عسكري ضد أي محاولة من قبل الحكومة اليمنية لإعادة تصدير النفط المتوقف منذ 8 أشهر، بالرغم من الحاجة الملحّة لليمنيين الذين يعيشون بظروف إنسانية قاسية، من تحسين واقع اقتصادهم، وفي الوقت الذي تتذرع فيه الجماعة الموالية لإيران، بأن وجودها هو لتحقيق متطلبات الشعب.

عبد الملك، قال في حديث تلفزيوني بثته قناة “المسيرة” الفضائية التابعة للجماعة؛ “سنحمي ثروات شعبنا سواء كانت في البر أو البحر، وليس فقط على مستوى النفط والغاز، بل الثروات السيادية ومنها المعادن، كما سنتخذ الإجراء العسكري أمام كل محاولة لنهب ثروات شعبنا في أي محافظة من محافظات اليمن”، في إشارة إلى محاولات تصدير النفط والغاز.

“الحوثيون” يعطلون صادرات النفط اليمنية

تهديدات زعيم الجماعة تأتي في أعقاب تصعيد شنّه “الحوثيون” خلال الأشهر الماضية بخصوص استهدافهم للموانئ وقطاع النفط، وتهديدهم بشن هجمات دامية على ناقلات النفط في البحر الأحمر ومضيق “باب المندب”، حيث تسعى الجماعة لإرباك الوضع في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية، من خلال استهداف قطاع النفط، وهو ما يؤكد رفضهم للمحاولات الدولية الإقليمية والأممية لإعادة إحلال السلام وإعادة تفعيل الهدنة.

هجمات “الحوثي” على عدد من الموانئ النفطية، قد تسببت في انقطاع رواتب الموظفين الحكوميين في البلاد جراء توقف تصدير النفط، مما سيؤدي إلى تعقيد الأزمة الاقتصادية في البلاد، مع تمسك “الحوثيين” بنهجهم نحو التصعيد بهدف إرباك الحكومة، دون مراعاة للأزمة التي يعاني منها الشعب اليمني، حيث يرزح جزء كبير منه تحت خط الفقر.

إلى ذلك، أضاف زعيم جماعة “الحوثيين”، في حديثه، تعليقا على التحركات الأممية والدولية والإقليمية التي ترنو إلى وقف الحرب، أن المطلوب هو وقف العدوان وإنهاء الحصار والاحتلال، ومعالجة ملفات الحرب فيما يتعلق بالأسرى والتعويض وإعادة الإعمار، مردفا أن، بقدر ما أعطينا مساحة لجهود الإخوة في سلطنة عمان، لكن لا يمكن أن نستمر إلى ما لا نهاية، فيما يظن الآخرون أنهم يكسبون الوقت لتنفيذ المؤامرات”، وفق تعبيره.

كان وفدان عماني وسعودي، قد زارا في 9 نيسان/أبريل الماضي، العاصمة صنعاء، حيث أجريا محادثات مباشرة مع جماعة “الحوثي”، ضمن جهود إقليمية ودولية مكثفة تبذلها واشنطن والأمم المتحدة وبريطانيا و”الاتحاد الأوروبي” لدفع عملية السلام في اليمن وإنهاء الأزمة المستمرة في البلاد منذ سنوات.

أثناء ذلك، وفي البحث عن ما وراء هذه التهديدات “الحوثية”، قال الخبير الاستراتيجي في الشأن اليمني علي الذهب، إن هذه التهديدات ليست الأولى من نوعها، لكنها في الوقت الراهن تعبّر عن مرحلة مختلفة تماما، وهذه المرحلة تجسّدها الاتفاقية التي أبرمتها السعودية مع إيران وتوجّه كلٍّ من السعودية وإيران نحو بناء علاقة مبنية على المصالح والابتعاد عن ما ينغصها خاصة فيما يتعلق بالشأن اليمني.

الذهب وخلال تصريحات لموقع “الحل نت”، أضاف؛ يبدو أن هناك اتفاقا ما بين الإيرانيين والسعوديين على أن يرفع كلا منهما دعمه المباشر للأطراف الداخلية المحتربة، ما يعني أن “الحوثيين” سيعانون من نقص في الدعم الإيراني، في مجال تقنيات الصواريخ والطائرات المسيرة والصواريخ بعيدة المدى، بمعنى أن السعودية ستكون في مأمن من التهديدات “الحوثية”، التي ستقتصر على المتاح لـ ” الحوثيين” بُعدا ومكانا.

ضغوط “حوثية” للاستثمار في الأزمة

“الحوثيون” بحسب الخبير الاستراتيجي في الشأن اليمني، قد يلجأون لهجمات في العمق السعودي، لكن لن تكون ذات بُعد استراتيجي، كما في الهجمات التي نفذوها في السابق، فقد تكون على الحدود وقد تكون مختلفة نوعا وكمّا وزمانا، ذلك لأن “الحوثيين” لن يصمدوا كثيرا، وهذا المسعى بالنسبة لهم سيكون استثنائيا، بمعنى أن المعركة بحقيقة الأمر ستكون داخلية في حال أوفوا بالتهديد إذا ما قامت الحكومة باستئناف تصدير النفط دون الانصياع لما يطرحه “الحوثيون” من شروط.

جماعة الحوثي تهديد حكومة اليمن الشرعية من استئناف تصدير النفط/ إنترنت + وكالات

الذهب لفت إلى أن، كل ذلك خارج عن إطار الهدنة واتفاق السلام، ولكنه استثمار “حوثي” لضعف الحكومة المعترف بها دوليا وضعف قرارها، مشيرا إلى أن “الحوثيين” دائما ما يستغلون أي فرصة لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية إضافية لتمكين مشروعهم، وأنّ كلّ الحوارات السياسية التي ينصاعون إليها؛ هي ليست لغرض مقاسمة السلطة مع الأطراف الأخرى، ولكنها لمراكمة سلطة إضافية والاستحواذ أكثر على الأرض والقرار السياسي.

بالتالي، يرى الخبير الاستراتيجي في الشأن اليمني، أن “الحوثيين” الآن يضغطون باتجاه التصعيد، بيد أن هذا التصعيد قد يكون قابلا للتنفيذ من قبلهم، وقد يكون لفرض المزيد من الإملاءات على الحكومة المعترف بها.

في مقابل ذلك، لم يصدر تعليق فوري من قبل الحكومة اليمنية على تصريحات “الحوثي”، واقتصر الحديث في إطار ما قاله رئيس “مجلس القيادة الرئاسي” اليمني رشاد العليمي، الجمعة الماضي، في كلمته بالقمة العربية في مدينة جدة السعودية، إن تجديد الهدنة في البلاد يواجه تعنّتا من قبل “الحوثيين”.

العليمي أَضاف؛ بدلا من إبداء حسن النوايا تجاه المبادرات الحكومية، تواصل مليشيات “الحوثي” للشهر الثامن منع وصول السفن والناقلات التجارية إلى موانئ تصدير النفط، سعيا منها لسحق المكاسب المحققة في المحافظات المحررة، مطالبا بتحرك عربي جماعي إلى جانب التحالف العربي الذي تقوده السعودية، من أجل دعم جهود الحكومة اليمنية لإنعاش الاقتصاد وتحسين الخدمات الأساسية والتدخلات الإنسانية المنقذة للحياة.

في خضم ذلك، يواجه الاقتصاد اليمني تداعيات قاسية خلّفها توقف تصدير النفط من الموانئ الواقعة تحت سيطرة الحكومة اليمنية، عقب هجمات تحذيرية شنّتها جماعة “الحوثي” قبل نحو 8 أشهر.

النفط في الاقتصاد اليمني

الحكومة اليمنية ظلت على مدار سنوات تعتمد على النفط كمورد رئيسي لتغطية عملية الإنفاق العام، وهي تواجه تحديات صعبة للإيفاء بالتزاماتها تجاه ملفات عدة، أبرزها دفع مرتبات موظفي القطاع العام، وتقديم الخدمات الأساسية، والحفاظ على الاستقرار النسبي للعملة الوطنية.

ميناء الضبة اليمني/ إنترنت + وكالات

خلال سنوات الحرب تمكنت الحكومة من الحفاظ على معدل إنتاج يومي بمقدار 60 ألف برميل من النفط، بعد أن كانت البلاد تنتج قرابة 150 ألف برميل قبل اندلاع النزاع عام 2015، لكن عقب فشل تمديد الهدنة مطلع تشرين الأول/أكتوبر 2022، شنّ “الحوثيون” هجمات تحذيرية على ثلاثة موانئ نفطية هي الضبة والنشيمة وقنا، في محافظتي حضرموت وشبوة جنوب شرق البلاد؛ مما أدى إلى وقف عوائد النفط الحكومية وتدفقات الوقود وحرمان الحكومة من أهم مواردها التي تعتمد عليها في صرف رواتب موظفيها وجلب العملة الصعبة.

على هذا النحو، ولمواجهة تداعيات توقف عملية إنتاج وتصدير النفط، أعلنت الحكومة اليمنية في 10 شباط/فبراير الماضي، اتخاذ تدابير جديدة لترشيد وتقليص الإنفاق وتنويع الإيرادات المتوقعة لعام 2023، وجاءت هذه الخطوة، بعد شهر من إقرار الحكومة رفع سعر الدولار الجمركي إلى 750 ريال، بزيادة 50 بالمئة؛ وسط تحفظ من “البرلمان” اليمني الذي اعتبرها خطوة لم تراعِ الحالة المعيشية للمواطنين والبدائل المطلوبة للموظفين والفئات الأقل دخلا.

في غضون ذلك، واستمرارا لسلة الانهيار والتأثيرات التي تركها توقف تصدير النفط، شهدت العملة اليمنية، الثلاثاء الماضي، تدهورا هو الأسوأ منذ نحو عام؛ إذ بلغ سعر صرف الدولار الواحد 1300 ريال في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة الشرعية، وذلك في الوقت الذي يعيش فيه اليمن عامه التاسع تحت الحرب المستمرة بين القوات الموالية للحكومة المدعومة بتحالف عسكري عربي تقوده السعودية، و”الحوثيين” المدعومين من إيران المسيطرين على محافظات بينها العاصمة صنعاء منذ أيلول/سبتمبر 2014.

حتى نهاية 2021، أودت الحرب بحياة 377 ألفا، وكبدت اقتصاد اليمن خسائر تُقدّر بـ  126 مليار دولار، وفق الأمم المتحدة، وبات معظم سكان البلاد البالغ عددهم نحو 30 مليون نسمة يعتمدون على المساعدات، في إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية بالعالم.

وسط هذا المشهد، بات من الواضح جدا، أن “الحوثي” يعتمد بشكل مباشر على استراتيجية الحرب. الحرب المستمرة أو انصياع باقي الأطراف لشروطه، وهي آلية كثيرا ما استخدمتها الجماعة الموالية لإيران في مراحل متعددة. وهي الآن تعود لاستخدامها مجددا في مسألة النفط، حيث تعرف الجماعة تماما أن الحكومة واليمنيين بأمس الحاجة إليه، وهو ما قد يضطرهم لتقديم تنازلات جديدة، ربما قد يحددها “الحوثي” بعد أن يستشعر أن خصمه أصبح جاهزا لتقبّلها.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات

الأكثر قراءة