العلاقات الصينية الإفريقية.. إمبريالية جديدة أم استعمار جديد؟

العلاقات الصينية الإفريقية.. إمبريالية جديدة أم استعمار جديد؟
أستمع للمادة

بعد فشله في الانخراط في حلف عسكري مواجهة للولايات المتحدة الأميركية، يسعى الحزب “الشيوعي” الصيني، إلى تعزيز العلاقات الصينية الإفريقية، في محاولة لتوسيع نفوذه الاقتصادي مجددا حول العالم.

من بوابة المشاريع الاقتصادية سعى الحزب “الشيوعي” إلى إقناع دول إفريقيا، في تعزيز علاقاتها مع الصين، مستغلة بذلك تراجع نفوذ الولايات المتحدة الأميركية، خلال الإدارة الأميركية السابقة.

زيارات مسؤولي الصين لإفريقيا

في ظل استدراك واشنطن لإهمال ملف إفريقيا، والعودة في زيارات متكررة خلال الأشهر الماضية إلى إفريقيا، نجد أن بكين ترد بالمثل منذ بداية العام الجديد، في زيارات مسؤوليها للقارة الإفريقية لتعزيز العلاقات الصينية الإفريقية.

وزير الخارجية الصيني أجرى جولة على عدد من الدول الإفريقية منذ مطلع العام الجاري، في مسعى لتعزيز العلاقات الصينية الإفريقية من بوابة الاقتصاد، وشملت الزيارة الغابون وأنغولا وبنين ومصر، إضافة إلى مقرّي الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية.

الجولة الصينية، جاءت ضمن مساعي الصين لتوسيع نفوذها خارجيا، في ضوء الحرب الباردة مع الغرب والولايات المتحدة الأميركية، التي تحاول إخراج إفريقيا من عباء نفوذ الحزب “الشيوعي” الصيني، الذي كان له دور في زعزعة الأمن والاستقرار في إفريقيا إلى جانب روسيا.

الباحث في العلاقات الدولية الدكتور عبد اللطيف مشرف، رأى أن توسّع الصين خلال السنوات القليلة الماضية، جاء من استغلال الحزب “الشيوعي” الصيني لغياب الدور الأميركي، مشيرا إلى أن بكين تواجه العديد من العقبات لنجاح مشروعها في إفريقيا بعد عودة واشنطن بقوة لتقويض النفوذ الصيني.

قد يهمك: بين شروط الأسد ورفض واشنطن.. أنقرة الحلقة الأضعف في التطبيع مع دمشق؟

مشرف قال في حديث خاص مع “الحل نت”، “الصين فعلا موجودة في إفريقيا، وكانت الفترة الذهبية لهذا الوجود، هي فترة الإدارة الأميركية السابقة التي أهملت ملف القارة، لكن أميركا تفطنت مؤخرا بعد عودة الديمقراطيين وبدأت تغيّر سياساتها فيما يتعلق بهذا الملف”.

الحزب “الشيوعي” الصيني استطاع خلال السنوات القليلة الماضية، السيطرة على بيع السلاح في إفريقيا، وإنشاء علاقات مع العديد من الدول الإفريقية من بوابة المشاريع الاقتصادية كالجزائر ومالي”.

استغلال الغياب الأميركي

مشرف أشار إلى الدور السلبي الذي لعبته كل من الصين وروسيا في زعزعة الاستقرار في إفريقيا مستغلة غياب أميركا، وقال “عندما نجد انقلاب بوركينا فاسو نجد أن لروسيا دور كبير فيه، كذلك الانقلاب على فرنسا في إفريقيا، كان لمجموعات “فاغنر” دور أساسي في ذلك، والصين مرتبطة بروسيا، الصين يهمها حاليا الملف الاقتصادي، لذلك تضع روسيا دائما في مقدمة الأمور العسكرية، إنما هي تأخذ الأمور الاقتصادية”.

استراتيجية بكين في توسيع نفوذها بإفريقيا، أخذت طابعا اقتصاديا بعيدا عن السياسة في ظاهره، فحاولت كسب ثقة الدول الإفريقية عبر المشاريع الاقتصادية بدون ضغوط اقتصادية، إلا أن المشرف أشار إلى ما اعتبره “أمرا خطيرا”، أن الصين تأخذ مقابل هذه المشاريع حق الامتياز وحق المنفعة لمدة أعوام طويلة، وعندما لا تستطيع الدولة دفع مثل هذه الأموال، تقوم الصين بأخذ هذه المرافئ أو الموانئ أو بنية تحتية مهمة استراتيجية أو قواعد عسكرية.

واشنطن بالمقابل، تسعى لعودة دورها في إفريقيا، ومجابهة نفوذ بكين وموسكو، لذلك كانت هناك زيارات متعددة من وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، إلى الجزائر وعدة مناطق إفريقية، فهي تريد بحسب مشرف “أن تحسّن سياستها التي تناست إفريقيا في عهد الإدارة السابقة في فترة ما، وكانت تضع ملف إفريقيا بيد فرنسا بطريقة مساومات”.

بالعودة إلى توسع النفوذ الصيني إلى القارة، فإن مشرف أوضح، أن هناك العديد من التأثيرات التي تواجه بكين، والتي من الممكن أن تحد من توسعاتها ومشاريعها في إفريقيا والشرق الأوسط.

حول ذلك أضاف، “أولا المناكفات بينها وبين تايوان، ثانيا الاستراتيجية اليابانية الجديدة والكندية، التي تخص الملف الصيني والمحيط الهادي، هذه المناكفات السياسية قادرة على زعزعة الاستقرار الصيني، وبالتالي زعزعة الاستقرار الاقتصادي الصيني، إضافة إلى ملف كورونا الأخير وعودة الفيروس مرة أخرى، سيؤثر ذلك على سلة الإنتاج الصينية مما يحد من التواجد الصيني في إفريقيا، وبالتالي استغلال واشنطن لهذه الأمور”.

واشنطن عملت على تشجيع اليابان لخلق استراتيجية دفاعية جديدة والانتقال من مرحلة الدفاع إلى الهجوم، وذكر الصين كعدو لها، كذلك كندا، بالتالي واشنطن تعمل على تطويق الصين في المحيط الهادي ومحيطها الجغرافي حتى لا تتمدد، لأن الصين لديها القدرة على التمدد حول العالم من خلال الملف الاقتصادي وفق رأي مشرف.

دور سلبي للصين

من ملامح توغل الحزب “الشيوعي” الصيني في إفريقيا، على شكل اقتصادي واستراتيجي، إطلاق ورش التدريب المهني في المنطقة المعروفة باسم ورش “لوبان” ادعت بكين ظاهريا، أن هذه الورش قد صُممت للمساعدة على توفير العمالة للمشروعات التي تنتشر حول العالم كجزء من مشروع الصين الهائل للبنية التحتية المعروف بمبادرة “الحزام والطريق“.

هذه الورش تدخل في إطار القوى الناعمة الصينية، إذ تريد بكين التمدد في تلك المناطق عن طريق تدريب عمّالها ومن ثم توظيفهم في مشروعات صينية محلية، التي غالبا ما تُعد جزءا من مشروعات مبادرة “الحزام والطريق”، التي تسعى من خلالها الصين لتحقيق مجموعة أهداف.

الورش التي تطلقها بكين ضمن برنامج “لوبان“، تركز على أنشطة مثل التخصص في التحول الرقمي وعِلم الروبوتات، وتكنولوجيا القطارات فائقة السرعة، فضلا عن التخصص في تقنية الأتمتة الكهربائية وتكنولوجيا هندسة السكك الحديدية، وتشغيل وإدارة حركة السكك الحديدية، والتجارة، والخدمات اللوجستية، وهي مشاريع كلها تندرج في خلق قاعدة عمالية في الدول التي تحاول الصين استهدافها في مبادرة “الحزام والطريق“، وفرض نفوذها داخل تلك الدول خدمة للمصلحة الاقتصادية، التي يطمح لها الحزب “الشيوعي” الحاكم.

في سياق ذا صلة، لا يخفي مسؤولو الحزب “الشيوعي” الصيني، إعجابهم باستمرار فكرة ورش “لوبان”، وهو ما يؤكدون عليه في اجتماعاتهم مع المسؤولين في آسيا الوسطى. وتأكيدا على ذاك الاهتمام السلطوي، تحدث الرئيس الصيني العام الماضي، علنا مرتين عن هذه الفُرص، موجها حديثه إلى رؤساء المنطقة، فيما قال وزير الخارجية الصيني وانغ يي، أثناء استقباله نظرائه من دول آسيا الوسطى في أيار/مايو 2021، إن الصين ستنشئ 5 ورش “لوبان” في منطقتهم لتوفير التدريب عالي التقنية.

تلك الأجندة تتضمن، بحسب حديث مختصين، خلق طبقة عاملة تحاول الصين تحضيرها أملا في تنفيذ مبادرة “الحزام والطريق“، بالتالي أن تنفيذ هذا المشروع يحتاج إلى طبقة عاملة ومشرفة على بعض المشاريع التي يتضمنها، والتي تستهدف ورش “لوبان” تطويرها لدى الشباب في البلدان الموجودة ضمن مسار خط المشروع، مشيرا إلى أنه لو تم التركيز في التخصصات التي تشتملها الورش، فلن نجد غير تلك التي تتعلق بمبادرة “الحزام والطريق“.

سبق وأن توسعت الصين عبر التبادلات التجارية في عدد من الدولة الإفريقية، غير أن جميع المشاريع فشلت، ولم تعمل في أي من مشاريعها على تمكين المجتمعات بقدر ما تركز في استثمار الموارد، ولعل ما حدث في كينيا مؤخرا من احتجاجات جماهيرية واسعة أدت إلى خلع الرئيس الكيني، بسبب الأزمة الاقتصادية، دليلا على النفوذ الصيني، مبينا أن الصين تعمل بمبدأ إغراق السوق وعملائها في المشاريع الركيكة والديون الكبيرة، لإبقاء مستقبل الحكومات مرهون بها.

الصين تتطلع إلى تأكيد مكانتها كقوة عظمى في إفريقيا، لا سيما على المستوى الاقتصادي، لكن وجود الصين كقوة في إفريقيا ساهم في العديد من الملفات التي كان له دور بارز في زعزعة استقرار المنطقة، خاصة في ظل تحالف الصين مع روسيا.

بعد تراجعها عن فكرة “غزو تايوان”، يبدو أننا على موعد خلال الفترة القادمة، من التركيز الصيني على الملف الاقتصادي، وبرز هذا المؤشر من خلال الزيارات الصينية إلى منطقة الشرق الأوسط، لتعزيز علاقاتها مع الدول الخليجية، وإبرام الاتفاقيات الاقتصادية، ما قد يوحي بتحول مؤقت للرغبة الصينية من توسيع النفوذ العسكري، إلى التركيز على توسيع النفوذ الاقتصادي.

بالتأكيد سيواصل الحزب “الشيوعي” محاولاته التمدد في إفريقيا والشرق الأوسط، لكنه سيصطدم بالخطة الأميركية التي دائما ما تسبقه بخطوة، ففضلا عن الطوق الذي فرضته واشنطن عبر حلفائها على الصين في المحيط الهادي، كانت الولايات المتحدة قد سبقت الصين، استضافة القمة “الأميركية الإفريقية” قبل أسابيع.

القمة شهدت تحذير وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، من الدور السلبي الذي تلعبه كلّ من روسيا والصين، في زعزعة أمن واستقرار القارة الإفريقية، خاصة مع تنامي نفوذهما في المنطقة، وأشار كذلك إلى أن بلاده تتابع “بدقة أنشطة كل من روسيا والصين في إفريقيا”.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة