بعد مجازر السويداء: تصدّع الثقة بين الدروز وسلطة الشرع

يواصل أهالي السويداء، جنوبي سوريا، دفن ضحاياهم، فيما لا يزال مصير بعض أحبائهم مجهولا، وسط حالة من الصدمة والرعب بعد أيام من أعمال العنف المروعة التي شهدتها المدينة ذات الغالبية الدرزية. وبحسب تقرير لوكالة “رويترز”، ترسم الروايات المتقاطعة من سكان المدينة ومصادر محلية، إلى جانب مقاطع فيديو تم التحقق من بعضها، صورة قاتمة لما تعرض له الأهالي من انتهاكات وإعدامات ميدانية.

وفي إحدى الجرائم، أصيب رجل مُسنّ برصاصة في رأسه في غرفة معيشته. وآخر في غرفة نومه. ورُميت جثة امرأة في الشارع. بعد أيام من إراقة الدماء في مدينة السويداء، خرج الناجون يوم الخميس الفائت لجمع ودفن عشرات القتلى الذين عُثر عليهم في أنحاء المدينة.

مشاهد صادمة من السويداء

وتفاقمت أعمال العنف بشكل حاد بعد وصول القوات الحكومية، بحسب روايات لـ”رويترز” من قبل نحو عشرة من سكان السويداء ومراسلين على الأرض ومجموعة مراقبة.

السويداء (15 تموز 2025)، تصوير “الحل نت”

ووصف السكان إطلاق النار على أصدقائهم وجيرانهم من مسافة قريبة في منازلهم أو في الشوارع. وقالوا إن عمليات القتل نفذها جنود سوريون، يُعرفون بزيهم العسكري وشاراتهم.

ورغم أن وكالة “رويترز” لم تتمكن من التحقق بشكل مستقل من هوية منفذي عمليات القتل أو متى حدثت، فإنها تأكدت من توقيت وموقع بعض مقاطع الفيديو التي وثّقت الجثث في الشوارع والمنازل، بما في ذلك “مضافة آل رضوان”، حيث عُثر على ضحايا مصابين بطلقات نارية في الصدر.

وقال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى في تصريحات لـ”رويترز” بعد نشر هذه القصة إن السلطات “على علم بالتقارير المتعلقة بانتهاكات خطيرة خلال الأحداث الأخيرة في السويداء، بما في ذلك أفعال قد تشكل فظائع وتحريضا طائفيا”.

وأضاف مصطفى أن السلطات السورية لم تتمكن من إجراء تحقيقات فورية بسبب إعادة انتشار قواتها بعد وساطة دولية لتأمين وقف إطلاق النار.

فيما قال سكان السويداء الذين تحدثت إليهم “رويترز” إن “إراقة الدماء عمقت من عدم ثقتهم في الحكومة التي يقودها الإسلاميون في دمشق ومخاوفهم بشأن كيفية ضمان الشرع لحماية الأقليات في سوريا”.

وفي أعمال عنف طائفية شهدتها المنطقة الساحلية السورية في آذار/مارس الماضي، قُتل مئات الأشخاص من الأقلية العلوية على يد قوات متحالفة مع الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع.

“خنازير وكفار”

شهادات السكان أظهرت حجم العنف غير المسبوق في المشهد السوري المأزوم. كنان عزام، طبيب أسنان من السويداء، أكد في اتصال مع “رويترز” مقتل صديقه المهندس الزراعي، أنيس ناصر بعد أن اقتادته القوات الحكومية من منزله، ليُعثر عليه لاحقا ضمن كومة جثث في المدينة.

كما تحدث سكان آخرون عن ممارسات مهينة، من حلق شوارب الرجال- وهو تقليد اجتماعي حساس في المجتمع الدرزي- إلى النهب، والحرق، وشتائم طائفية مثل “خنازير” و”كفار”.

وقال مراسل في السويداء طلب عدم الكشف عن هويته، إنه شاهد قوات الحكومة تطلق النار على أربعة أشخاص من مسافة قريبة، بينهم امرأة ومراهقين.

وأضاف لـ”رويترز”، أن الجثث ملأت الشوارع. وقال إن إحداهن، وهي امرأة، كانت ملقاة على وجهها على الرصيف، ويبدو أنها مصابة بطعنة في البطن.

أطلع أحد السكان، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، المراسل على جثة شقيقه المقتول في غرفة نوم بمنزلهم يوم الثلاثاء. وقد أُصيب برصاصة في رأسه.

وأظهر مقطع فيديو، تحققت منه “رويترز”، جثتين في شارع تجاري بوسط السويداء. وأظهر مقطع آخر جثثا، بعضها مصاب بطلقات نارية في الصدر، في “مضافة آل رضوان” بالسويداء.

وقال ريان معروف من شبكة “السويداء 24″ المحلية لـ”رويترز” يوم الخميس إنه عثر على عائلة مكونة من 12 شخصا مقتولين في منزل واحد بينهم نساء عاريات ورجل مسن وفتاتان صغيرتان. ولم يتسن التأكد من هوية القاتل في هذه الحالات.

وشارك أحد سكان السويداء، الذي طلب أن يتم التعريف به فقط باسم عامر، وذلك خوفا من الانتقام، مقطع فيديو قال إنه يصور جيرانه القتلى في منزلهم.

ويظهر الفيديو، الذي لم تتمكن “رويترز” من التحقق منه بشكل مستقل، جثة رجل على كرسي. وعلى الأرض كان هناك رجل مسن مصاب بطلق ناري في صدغه الأيمن، ورجل أصغر سنا، ووجهه، غارق في بركة من الدماء.

وكما هو الحال في حالات أخرى من وصف عمليات القتل في المدينة، لم تتمكن “رويترز” من التحقق من هوية المسؤول عن ذلك.

ولم يرد المتحدثون باسم وزارتي “الداخلية” و”الدفاع” على أسئلة “رويترز” بشأن ما إذا كانت القوات الحكومية مسؤولة عن عمليات القتل في المنازل والشوارع.

نهب المنازل وحصيلة الضحايا

في السياق ذاته، قال المراسل إنه سمع قوات الحكومة تصرخ “خنازير” و”كفار” في وجه السكان الدروز. وقال المراسل إن القوات الحكومية نهبت الثلاجات والألواح الشمسية من المنازل وأحرقت المنازل ومحلات بيع الخمور، بما في ذلك بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار يوم الأربعاء.

وقال بعض السكان الذين أجرت “رويترز” مقابلات معهم إن القوات الحكومية حلقت شوارب الرجال الدروز، وهو “عمل مهين”.

ولم يستجب المتحدثون باسم وزارتي “الداخلية” و”الدفاع” على الأسئلة المتعلقة بقيام القوات بالنهب أو حرق المنازل أو استخدام اللغة الطائفية أو حلق الشوارب.

السويداء (15 تموز 2025)، تصوير “الحل نت”

في إطار الضحايا، قالت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، يوم الجمعة إنها تحققت من مقتل 321 شخصا في السويداء، بما في ذلك أفراد من الطاقم الطبي والنساء والأطفال، في حين تحدث “المرصد السوري لحقوق الإنسان” عن 718 قتيلا وأكثر من ألف جريح.

وقال مدير الشبكة الحقوقية فضل عبد الغني إن “الرقم يشمل الإعدامات الميدانية التي نفذها الجانبان، والسوريين الذين قتلوا في الضربات الإسرائيلية، وغيرهم الذين قتلوا في الاشتباكات، لكن الأمر سيستغرق بعض الوقت لتقسيم الأرقام لكل فئة”.

وقال عبد الغني إن “الشبكة وثقت أيضا حالات قتل خارج نطاق القضاء نفذتها فصائل الدروز ضد القوات الحكومية”. ولم تعلن الحكومة السورية عن عدد القتلى في صفوف قواتها أو المدنيين الذين قتلوا في السويداء.

اتفاق شامل

ومع تصاعد أعمال العنف، بدأ الجيش الإسرائيلي في شن غارات على قوافل حكومية في السويداء ووزارة الدفاع وبالقرب من القصر الرئاسي في دمشق.

ساهم التدخل الأميركي في إنهاء القتال. وصرح وزير الخارجية ماركو روبيو بأن “الخصومات التاريخية الطويلة” بين الدروز والبدو “أدت إلى وضع مؤسف وسوء تفاهم، على ما يبدو، بين الجانب الإسرائيلي والجانب السوري”.

وبعد نحو 7 أيام من الاقتتال، تم التوصل إلى اتفاق شامل يقضي بدخول قوات الأمن العام السوري إلى المحافظة والانتشار فيها، لبسط الأمن والاستقرار.

وجاء ذلك بعد أعلن المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس براك، مساء أمس الجمعة، عن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين سوريا وإسرائيل.

وقال براك في منشور على منصة “إكس”، إن الطرفين السوري والإسرائيلي، بدعم من الولايات المتحدة، اتفقا على وقف إطلاق نار تبنته تركيا والأردن وجيرانهما.

وأضاف براك: “ندعو الدروز والبدو والسنة إلى إلقاء أسلحتهم، والعمل مع الأقليات الأخرى على بناء هوية سورية جديدة وموحدة، في سلام وازدهار مع جيرانها”.

ودعت واشنطن في وقت سابق الحكومة السورية إلى محاسبة المتورطين في أعمال العنف الأخيرة التي وقعت بحق المدنيين بالسويداء على يد ميليشيات متطرفة تابعة لوزارة “الدفاع السورية”.

شيلان شيخ موسى

شيلان شيخ موسى

رئيسة تحرير "الحل نت"

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم