سميرة مزعل.. عراقية سبعينية قاومت “حزب البعث” والمجتمع بعدستها

سميرة مزعل.. عراقية سبعينية قاومت “حزب البعث” والمجتمع بعدستها
أستمع للمادة

سميرة مزعل. هي عراقية سبعينية جنوبية، من مدينة العمارة مركز محافظة ميسان، مصوّرة وسجينة سياسية في زمن حكم “حزب البعث” البائد بقياذة صدام حسين، وتحدّت قيود المجتمع عبر عدسة الكاميرا، فما هي حكايتها؟

كبرت مزعل والكاميرا بيدها، وثّقت بها طبيعة أهوار الجنوب العراقي المميزة ووجوه سكّانها. اتخذت منذ ريعان شبابها من عدسة الكاميرا الخاصة بها، رفيقة للدرب، كي توقف من خلالها الزمن للحظات توثيقية، تعكس شكل الحياة في الفترات التي عاشتها.

اكتسبت مزعل بكفاحها المهني والسياسي في سنوات عمرها الـ 77 مكانة حقيقية كامرأة صلبة لمدينة تغفو على شواطئ نهر دجلة، حسب تقرير لوكالة “فرانس برس”، الذي يقول إنه رغم كل ما قاسته من سجن وتعذيب، لم ينطفئ شغفها بمهنة التصوير منذ أن كانت في السنة الـ 16 من عمرها.

“لا يكاد بيت في مركز وأقضية محافظة ميسان لا يعرف سميرة المصورة”، يقول باسم الزبيدي “40 عاما”. ويضيف “جيلنا عرف سميرة حينما كنا نأتي لالتقاط صورة لديها، ومن الجيل السابق، هم عاصروا سميرة مزعل في جهادها ونضالها”.

ذكريات

سميرة مزعل تملك استوديو يلاصق منزلها في العمارة، وبدأت مسيرتها مع عدسة الكاميرا في الستينيات كأول امرأة تمتهن حرفة تعدّ حكرا على الرجال في مجتمع ما زال محافظا وذكوريا إلى حد كبير.

“المكان يغص بالذكريات وبصور التقطتها بالأبيض والأسود، وضعتها في ألبوم أو علّقتها على الجدران. امرأة وطفل منحنيان فوق نهر دجلة لتعبئة قدر من المياه، رجل بالعباءة التقليدية والكوفية يجرّ خلفه جملا، قوارب تعبر الأهوار التي تمثل هوية تلك المنطقة الزراعية، نساء بالعباءة السوداء يحملن على ظهورهنّ ما يبدو أنه أكياس ثقيلة من الحنطة”.

تقدمت مزعل بالسن، لكنها لم تترك التصوير. خطوط الزمن بادية على وجهها وغطى الشيب شعرها الذي تظهر خصل منه تحت وشاحها الأسود، في وقت كانت بفترة الستينيات شابة بشعر قصير كان رائجا حينها، وتنّورة قصيرة بيضاء.

مزعل تقول لوكالة الصحافة الفرنسية، إنها حينما قرّرت حمل الكاميرا والتصوير، لم يحبذ والدها الفكرة تماما. “طلبت من أبي أن يعلمني المهنة، قال لي كلا أنت لا تزالين شابة صغيرة لا تستطيعين، والمجتمع قاسٍ، قلت له لا، على العكس”.

في ذلك الحين، أصبحت ظروف عائلة سميرة المادية صعبةً جدا، فالوالد الذي كان من أوائل المصورين في محافظة ميسان، فقد بصره، ولم يعد قادرا على إعالة العائلة.

أول مصورة

سميرة تقول: “عائلتي لا تعرف غير مهنة، جميعنا نقوم بالتصوير”. لقنها والدها في البداية التصوير بالكاميرا الشمسية، ثمّ باع أرضا ورثها عن أجداده ليشتري لها كاميرا كهربائية.

تدريجيا، أصبح الإقبال كبيرا من شخصيات العمارة على “استوديو سميرة”، تروي أنهم كانوا يأتون وعائلاتهم وأطفالهم لالتقاط الصور عندها. وتضيف “الضغط عليّ صار غير طبيعي؛ لأنني امرأة، فتاة، أقوم بتصوير العائلات، والناس حريصون على عائلاتهم. نجح الاستوديو نجاحا غير اعتيادي”.

يقول الناشط مناف عاتي “لموهبتها، تكاد تكون في ذلك الوقت أوّل مصورة أو المصورة الوحيدة في ميسان”، وتحول اسمها إلى رديف “للجهاد والتاريخ السياسي النسوي في محافظة ميسان، وما لعبه من دور في مقارعة النظام السابق”.

بينما كانت سميرة مزعل تتحدّى المجتمع وبدأت باكتساب شهرة واسعة كمصورة موثوقة في ميسان، تقصدها عائلات المنطقة وشخصياتها، كان العراق يتّجه في العام 1963 نحو تغيّر سياسي سيطبع حياتها بالسجن والتعذيب.

“لم تكن تعلم الشابّة البالغة من العمر 16 عاما حينها أنّ منشورا كُتبت عليه كلمات (ارفعوا أيديكم أيها الجبناء عن المناضلين الأحرار) المناهض لانقلاب حزب البعث حينها، صورته وطبعته في مشغلها، سيدخلها السجن لسنوات عانت فيها أشد أنواع التعذيب”.

بيان يتسبّب بسجنها

ميول عائلة سميرة السياسي كان شيوعيا، وفق “فرانس برس”، وهي دعمت هذا التوجّه بـ “الفطرة”، وحينما دخل متجرها 3 شباب شيوعيين طالبين منها طبع ذلك المنشور، لم تتمكن من الرفض.

وتخبر سميرة مزعل: “لم يبقَ جدار في العمارة إلّا وألصقت تلك البيانات التي قمت بطبعها عليه. حوكمت بسبب هذا البيان”.

في بداية اعتقالها عام 1963، أحضرها الأمن إلى أحد بيوت العمارة الذي كان معروفا بأنّه مقر للتعذيب. وتقول سميرة مزعل: “من شدة التعذيب صرخت كثيرا، صرخت لدرجة أنني اعتقدت أن العمارة كلّها ستأتي لتخلصني”.

نقلت سميرة من ذلك المنزل إلى سجن بغداد المركزي. وبقيت فيه 4 سنوات، عانت فيه من المرض والتعذيب، قبل أن يصدر مرسوم جمهوري لإطلاق سراحها، إثر ضغط دولي من مجموعات دولية مدافعة عن حقوق السجناء، أثارته صورة لها تظهرها معذّبة وهي على سرير المستشفى.

في العام 1981 عادت سميرة إلى السجن، لكن تلك المرة سجنت في البصرة لمدة 8 أشهر قبل أن يصدر عفو آخر أيضا بضغط سياسي.

الصور بأمان

في العام 1991، أودعت سجن الرضوانية في بغداد، بعدما قادت تظاهرة في العمارة إبان حرب الخليج الأولى، ثم خرجت بعد أشهر بعفو خاص صدر عن النساء.

سنوات الشقاء تلك لم تطفئ الروح الثورية عند سميرة مزعل، حتى أنها أيّدت “انتفاضة تشرين” التي خرجت في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، ولم تبخل في دعمها رغم كبر سنها، إذ كانت تبلغ من العمر 74 وقت الانتفاضة.

“احتجاجات تشرين جاءت ردا على مسيرة خاطئة ارتكبها النظام”، حسب مزعل، التي ترى أنه “كان الأجدر بالمحتجين أن يجعلوا من احتجاجاتهم ثورة عارمة تقلع جذور الفساد والفاسدين في العراق”.

تتألم سميرة مزعل لكون الصور وتسريبها والتلاعب بها “بات يؤدي الآن إلى عمليات قتل، بينما كنا في السابق لا نتجاوز أخلاقيات التصوير ولا نتجاوز حدودها”.

حتى اليوم، تواضب المصورة السبعينية على فتح الاستوديو الصغير الخاص بها كل صباح، وتستقبل فيه زبائنها من العوائل الميسانية التي تشعر بالآمان على صورها عنده سميرة مزعل.

شاركها على ...
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول المرأة