كيف يمكن إنقاذ الأرض من نقص الغذاء والتغير المناخي؟

كيف يمكن إنقاذ الأرض من نقص الغذاء والتغير المناخي؟
أستمع للمادة

أزمات دولية متصاعدة، وحروب إقليمية محتدمة، كلها عوامل يُخشى من أن تتسبب بمشكلة كونية يصعب تداركها، لاسيما في ظل تهديد الزيادة السكانية حول العالم التي تهدد مسار البشرية وتنذر بإشكالات كبيرة، على رأسها الحاجة إلى الغذاء الذي تشير التوقعات إلى أنها سترتفع بنسبة تصل إلى 50 بالمئة، بحلول العام 2050 مما كان العالم بحاجة إليه في العام 2012، إضافة إلى ما يمكن أن يتسبب به تغير المناخ، من حيث حاجة العالم إلى المياه العذبة الصالحة للشرب والزراعة، وصولا إلى البنية التحتية اللازمة لعيش مليارات البشر.

وفي ظل هذه التهديدات التي تواجه كوكب الأرض، طرحت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “فاو”، رؤيتها من أجل المساهمة في “إنقاذ الأرض” حيث أنه مع ارتفاع عدد سكان العالم، أوضحت في تقرير نُشر أمس الأول الأربعاء، أن العالم يواجه تحدّيا جسيما، ألا وهو إطعام سكان الأرض على التوازي مع حماية غاباتنا من التوسع الزراعي الذي يعد مسؤولا عن قرابة 90 بالمئة، من إزالة الغابات على مستوى العالم.

تحديات يمكن أن تمثل فرصة كبيرة، وبحسب تقرير المنظمة “لا يمكننا التفريط بها حيث من الممكن تحويل نظام الغذاء العالمي بحيث تنمو الزراعة والغابات على حد سواء، بدلا من أن ينمو أحدهما على حساب الآخر“، بينة أنه “من الممكن بل من الضروري أن تكون الزراعة والغابات قطاعين يعودان معا بمنافع مفيدة للطرفين، وليست محصورة بمنافع أحد القطاعين على حساب الآخر“.

بالتالي وفق مخطط “فاو” الدولية، أنه “إذا حولنا تفكيرنا وأعمالنا نحو هذا الاتجاه على مستوى العالم، فستكون النتيجة نظاما غذائيا مستداما يساهم بشكل كبير في مكافحة تغير المناخ والحفاظ على التنوع البيولوجي وتعزيز الاقتصاد العالمي“، محذرة في الوقت ذاته من أنه “إذا لم نفعل ذلك، فإن التوقعات ستكون قاتمة“.

مساعي المنظمة، يجب أن تأتي بالتوازي مع “دور الحكومات في وقف إزالة الغابات من سلاسل القيمة الزراعية“، وهو العنوان الذي أشارت من خلاله في تقريرها إلى أنه على “الحكومات أن تلعب دورا حاسما، بما في ذلك خلق الظروف الملائمة التي تمكّن من إجراء التغييرات المطلوبة على نطاق من شأنه أن يُحدث فرقا“.

اقرأ/ي أيضا: بداية ثورة.. ما هو مصير الاحتجاجات في إيران؟

خطوات علاجية

لفت تقرير المنظمة إلى أن “البلدان المستهلكة اتخذت بالفعل خطوات في هذا المجال، منها على سبيل المثال وضع معايير استيراد السلع الغذائية، وتخصيص تمويل لدعم المزارعين من أصحاب الحيازات الصغيرة في البلدان المنتجة، والالتزام بتمويل سلاسل الإمداد الزراعي الأكثر استدامة“.

 إذ أن “البلدان المنتجة تضع قيد التنفيذ مجموعة من الاستراتيجيات تتراوح من وضع خطط لاستخدام الأراضي إلى تطبيق ممارسات زراعية أكثر ملاءمة للغابات“، تؤكد “فاو“، وتشدد على أنه “ما تزال هناك حاجة إلى التنسيق بشكل أكبر بين البلدان المستهلكة والمنتجة بهدف إنشاء نظم زراعية وغذائية تحويلية وضمان الأمن الغذائي، والتغذية لعدد متزايد من السكان من دون تحويل الغابات إلى حقول“.

كما طالبت بـ “إنشاء الأطر التشريعية وتوفير التمويل وظروف الأسواق الداعمة للأساليب القائمة على التآزر بين الغابات والزراعة“، مبيّنة أنه “يجب على صانعي القرار معالجة مسألة المفاضلات بين القطاعَين بأساليب داعمة وبشكل متبادل“.

التقرير، ذكر أيضا أن “القطاع الخاص تعهّد بالقضاء على إزالة الغابات من سلاسل التوريد الخاصة به، بما في ذلك من خلال إعلان نيويورك بشأن الغابات الصادر العام 2014”، مشيرا إلى أنه منذ ذلك الحين “تم وضع معايير وأنظمة إصدار شهادات صناعية تهدف إلى الوصول إلى انعدام كلي لبصمة إزالة الغابات الناجمة عن سلع مثل لحوم الأبقار وزيت النخيل والصويا والكاكاو والبن والمطاط وغيرها من المنتجات“.

وبالرغم من ذلك، فأن “هناك حاجة إلى مزيد من الجهود لتنفيذ هذه الالتزامات من أجل إحراز تقدم ملموس“، ف يحين أن “المنتجين ومعظمهم في البلدان الاستوائية وشبه الاستوائية، يبذلون جهودا جبارة من أجل تلبية هذه المعايير نظرا لحاجتهم إلى إجراء تغييرات ضخمة على أرض الواقع“، إضافة إلى أنه “غالبا ما ينطوي التحول إلى أساليب زراعية أكثر استدامة على استثمار أولي في تجهيزات جديدة، وفترة تعليم وتدريب وتغييرات في المحاصيل واستخدام الأراضي، وهي الفترة التي يتم فيها فقدان المحاصيل التي يعتمدون عليها غالبا كمصدر رزق لهم“.

اقرأ/ي أيضا: اليمين المتطرف الإيطالي.. ما هي تحديات الحكومة الجديدة؟

معوقات

المنظمة الدولية لفتت كذلك، إلى أن “عملية الحصول على الشهادات نفسها عند تطبيق العمليات الجديدة، قد تكون باهظة التكاليف وتتطلب وقتا طويلا ما يشكل عاملا معيقا أمام المنتجين أيضا“، ولذلك يوضح التقرير، أن “المزارعين من أصحاب الحيازات الصغيرة، ممن ينتجون 35 بالمئة من أغذية العالم بينما يعيشون في الفقر، ويحتاجون إلى مزيد من الدعم للتغلب على هذه المعوقات“.

أما البلدان المنتجة التي تشهد الغالبية العظمى من إزالة الغابات، “فإنها تواجه أكبر التحديات التي تقف عقبة أمام تطبيق التغييرات المنشودة“، وفق ما جاء في تقرير منظمة “فاو“، وأكد أن “هذه البلدان تواجه يوميا معضلة تحقيق التوازن ما بين التزاماتها بتحقيق الغايات الدولية بشأن إزالة الغابات وتغير المناخ من جهة، ووجوب سعيها إلى ضمان الأمن الغذائي وسبل العيش لسكانها من جهة أخرى“.

المنظمة في ختام تقريرها قالت إن “هذه البلدان إلى وضع سياسات تعالج الأسباب الرئيسة التي تقف وراء الممارسات الزراعية التي تفتقر إلى الاستدامة، كما أن عليها تعزيز الحوكمة وتحسين إنفاذ القانون“، بالإضافة إلى ذلك فإن على “هذه البلدان ضمان تحديث البيانات الزراعية والحرجية التي تتسم بالشفافية مع فتح امكانية الوصول اليها أمام العموم“.

وختم التقرير بدعوة “البلدان المستهلكة والقطاع الخاص إلى تكثيف الجهود لدعم البلدان المنتجة لغذائنا، لأنها بحاجة إلى المزيد من الدعم المالي والتقني كي تتمكن من أداء مهامها على نحوٍ من شأنه إنقاذ كوكبنا“.

في مقابل ذلك، وبأحدث بيانات وإحصاءات الأمم المتحدة المنوط بها تحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030، فأن فإنه مع الوصول إلى عام 2050 سوف يبلغ عدد سكان الكرة الأرضية نحو 9.7 مليار نسمة، ويرتفع العدد إلى 11 مليارا مع حلول عام 2100.

الغذاء وتأثيره على سكان الأرض

وفق دراسة علمية، فأن “حاليا واحد من كل تسعة سكان العالم بشكل مزمن يعانون من نقص التغذية بسبب التكدس السكاني وعدم توافر الغذاء، إضافة إلى أنه من المتوقع أن تزيد هذه النسبة في المستقبل لذا يجب أن يتغير الكثير من الناس قبل أن يقضي الجوع بنجاح وبشكل مستدام على البشر“، نشرت على موقع “مصري نت“.

في الوقت ذاته، أشارت الدراسة إلى أن “هناك العديد من الطرق التي تحسن الأمن الغذائي من الناحية النظرية وغالبا ما تكون غير قابلة للتطبيق بسبب تحديات المتضاربة التي يواجهها العالم مثل تغير المناخ والبيئة“، مبيّنة أنه “للتخلص من الزيادة السكانية ورفع مستوى المعيشة والحصول على غذاء وتوفره طوال العام يجب تخفيض مستوى النسل وتقليل نسب الانجاب“.

في حين يشير أحدث تقرير سنوي للأزمات الغذائية الذي صدر منتصف العام الحالي عن “الشبكة العالمية لمكافحة أزمات الغذاء“، إلى أن “حوالي 193 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وهذا يمثل زيادة بنحو 40 مليون شخص مقارنة بالأرقام الصادرة عام 2020، هؤلاء الأشخاص ينتمون إلى 53 بلدا وإقليما“.

الأشخاص المتضررون من أزمة الغذاء تم تصنيف أكثر من نصف مليون شخص من بيتهم، بسحب التقرير، بأنهم في إثيوبيا وجنوب مدغشقر وجنوب السودان واليمن، في المرحلة الأشد حدّة من كارثة انعدام الأمن الغذائي الحاد، وهو ما يتطلب إجراءات عاجلة لتجنب انهيار واسع النطاق لسبل العيش والمجاعة والموت.

يبدو من ذلك مدى وضوح تحدّي الأمن الغذائي العالمي، حيث سيكون الطلب على الغذاء أكبر بنسبة 60 بالمئة مما هو عليه اليوم، لذلك حددت الأمم المتحدة، التحدي العالمي المتمثل في مكافحة الجوع وتحقيق الأمن الغذائي والتغذية المحسنة وتعزيز الزراعة المستدامة، باعتبارها الهدف الثاني من أهدافها الـ 17 للتنمية المستدامة لعام 2030، لا سيما بين الأطفال.

اقرأ/ي أيضا: ما فرص المواجهة بين الغرب والصين حول التصويت على حقوق الإنسان؟

أزمة الغذاء وعلاقتها بتغير المناخ

مشكلة الغذاء هذه وقلة انتاجه في البلدان الأقل نموا وزيادة الأسعار، لا تقل أهمية عن أن هناك أزمة أخرى وشيكة تتمثل في ندرة المياه، وبحسب معهد الموارد العالمية هناك أكثر من 25 بالمئة، من الزراعة تقع في المناطق المجهدة بالمياه، وهذا ما يعظم من أزمة الغذاء التي تلاقيها أزمة المناخ.

ويتضاعف هذا الرقم عند النظر إلى الأراضي الزراعية المروية التي تنتج 40 بالمئة من الإمدادات الغذائية العالمية، ويتطلب إنتاج كيلوغرام واحد من القمح حوالي 1500 لتر من الماء، ونحو 16000 لتر لإنتاج كيلوغرام واحد من لحم البقر، وبالتالي سنحتاج إلى ضعف كمية المياه في عام 2050.

هذا بخلاف عوامل رئيسية أخرى، أهمها تداعيات ظاهرة الاحتباس الحراري والتصحّر وفقدان تنوع المحاصيل والزحف العمراني على الإنتاج الزراعي، ووفقا لما يُعرف بـ “عقد الأمم المتحدة للصحاري ومكافحة التصحر” 2010-2020، تشغل الأراضي الجافة حاليًّا أكثر من 40 بالمئة من مساحة اليابسة في العالم، وسيؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى تحويل المزيد منها إلى صحراء، وبالمعدلات الحالية ستطعم كمية الطعام التي نزرعها اليوم نصف السكان فقط بحلول عام 2050، وفقا لـ “معهد الموارد العالمية“.

في غضون ذلك لفت التقرير، إلى أن” انعدام الأمن الغذائي ينتج عن قضايا مجتمعية وتوزيعية منهجية مثل الفقر والعمالة الناقصة والعنصرية وغير ذلك من أشكال عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما يتسبب بدوره في اضطراب زراعي“.

بناء على ذلك، بين “معهد الموارد العالمية”، أن “البلدان المتقدمة أقل من 2 بالمئة من الناس يزرعون المحاصيل أو يربّون الحيوانات من أجل الغذاء، ويتناقص عدد الأشخاص الذين يختارون الزراعة كمهنة، وفي الوقت نفسه ترتفع أسعار المواد الغذائية، وتتقلّص مساحة الأراضي الصالحة للزراعة، وتتدهور التربة بسبب الإفراط في الزراعة“.

اقرأ/ي أيضا: خط الغاز العربي عبر سوريا.. مشروع انتهى قبل أن يبدأ؟

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة