الانتشار العسكري الإيراني في اليمن عبر الصواريخ الباليستية والطائرات بدون طيار يُعد جزءا من خطة طهران في الشرق الأوسط لاختبار البنية الأمنية الإقليمية الحالية. حيث أتاح الصراع في اليمن لإيران ساحة تجارب بالذخيرة الحية للحصول على قراءة لقدراتها العسكرية، إذ توفر الصواريخ الباليستية والطائرات بدون طيار التي يطلقها “الحوثيون” بيانات لتغذية دورات تطوير الأسلحة الإيرانية.

وزير الدفاع اليمني، الفريق الركن محسن محمد حسين الداعري، قال أمس الإثنين، إن جماعة “الحوثي” تمتلك طرقا لتهريب الأسلحة من إيران، وإنها تواصل انتهاكاتها وترفض تجديد الهدنة، موضحا الجماعة “إرهابية مثل القاعدة وداعش”، وأن “الحوثيين يستهدفون منشآت الاقتصاد لحرمان الشعب من الرواتب”.

اندماج “الحوثيين” في المحور الإيراني يوسع من وسائل العمل المتاحة لإيران لتعزيز مصالحها الإقليمية، خاصة وأن إيران تسعى إلى ضرب الشرق الأوسط من الشمال حتى الجنوب، فهل تسعى طهران إلى توسع فجوة فرص تجديد الهدنة بين الأطراف المتصارعة في اليمن، وما أبرز الطرق التي تسخّرها من أجل ذلك.

أسرار تهريب الأسلحة الإيرانية لـ “الحوثيين”

ديناميكيات تدفق الأسلحة في منطقة شديدة التّسلح، لها عدة أبعاد مختلفة. تهريب الأسلحة عبر خليج عدن والبحر الأحمر، له تاريخ طويل. ومع ذلك، فإن الحروب في اليمن والعدد الهائل من الأسلحة والمواد التي قدمتها إيران، عبر وكلائها قد بشّرت بعصر ذهبي لتّجار الأسلحة الإقليميين.

الأسطول الخامس بالبحرية الأميركية، قال اليوم الثلاثاء، إنه اعترض سفينة صيد كانت تهرّب كميات “ضخمة” من المواد المتفجرة أثناء عبورها من إيران على طول طريق في خليج عمان يستخدم لتهريب أسلحة إلى جماعة “الحوثي” اليمنية، حيث ضبطت القوات الأميركية أكثر من 70 طنا من “كلورات الأمونيوم” التي تستخدم عادة في صناعة وقود الصواريخ والصواريخ فضلا عن المتفجرات.

نائب قائد القيادة المركزية للقوات البحرية الأميركية والأسطول الخامس الأميركي والقوات البحرية المشتركة، الأدميرال براد كوبر، ذكر، أن “هذه كمية هائلة من المواد المتفجرة تكفي لتزويد أكثر من عشرة صواريخ باليستية متوسطة المدى بالوقود حسب الحجم، ويؤدي إلى العنف وعدم الاستقرار في جميع أنحاء الشرق الأوسط”.

السفينة التي تم اعتراضها وفقا لـلأدميرال الأميركي، كوبر، كان بها طاقم من أربعة يمنيين وكانت تحمل 100 طن من سماد “اليوريا” الذي يُستخدم في الزراعة ولكن أيضا في صنع المتفجرات.

الصحفي اليمني محمد الدميني، أوضح لـ ”الحل نت”، أن الحوثيين في اليمن جزء من التحالف غير الرسمي بقيادة إيران والمعروف باسم “محور المقاومة” ويهددون بشكل متزايد الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، ولذلك بالنسبة لإيران، قدّم “الحوثيون” فرصة لتهديد الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية، وقادت إيران جهدا لتنمية الحوثيين كجزء من شبكتها.

مسألة تهريب إيران الأسلحة والمعدات العسكرية إلى وكلائها المحليين في اليمن، ودعم “الحوثيين” تثير جملة قضايا، منها مواصلة طهران الدعم العسكري للقوات الموالية لها، وفرض خيار الحرب والتصعيد الميداني، رغم جهود التهدئة والهدنة الأممية.

مسارات مخفية لتغذية الصراع في البلد

استنادا إلى الاعترافات التي حصلت عليها الأمم المتحدة من خلايا “حوثية” على طول الساحل الغربي متورطة في تهريب أسلحة وتجسس، فإن المهربين اليمنيين يبحرون عادة من مدن ساحلية مختلفة مثل شاهر في محافظة حضرموت الجنوبية الشرقية والغيضة في محافظة المهرة الشرقية.

وفقا لحديث الدميني لـ”الحل نت”، فإن التهريب هو أهم مصدر يعتمد عليه “الحوثيون” في الحصول على أسلحة مختلفة وخاصة الصواريخ الموجهة والطائرات المسيّرة والتكنولوجيا العسكرية الإيرانية، وعمليات تهريب الأسلحة موثقة من قِبل لجنة الخبراء التابعة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والمعنية باليمن.

الجيش اليمني، وثّق وقوع نحو 235 خرقا حوثيا للهدنة الأممية، خلال 72 ساعة، تحديدا في الفترة من 11 إلى 13 آب/أغسطس الفائت، في جبهات مأرب والجوف وصعدة وحجة والحديدة وتعز وأبين والضالع، كما تم ضبط خلية “حوثية” متورطة في تهريب الأسلحة من ميناء بندر عباس الإيراني إلى موانئ الحديدة باليمن، ما يدل على أن إيران تسعى لتقويض الهدنة الأممية، حسب قول الدميني.

نشاط إيران المحموم في تهريب الأسلحة يكشف وجود شبكة منظمة، لها عدة أذرع، حيث لا يقتصر الأمر على الشحنات المنقولة من إيران، إنّما هناك خلايا تعمل في القرن الأفريقي، وتحديداً جيبوتي.

في الأسبوع ذاته الذي تم فيه ضبط خلية “حوثية” لنقل السلاح من إيران لليمن، ظهرت خلية أخرى مماثلة مكونة من خمسة أفراد، جميعهم بحّارة من محافظة الحديدة، حيث يؤدّون المهام نفسها، لكنّ هذه الخلية تنقل السلاح من جيبوتي إلى ميناء الحديدة.

في تشرين الثاني/نوفمبر العام الماضي، ذكرت “المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية”، أن هناك أسلحة قامت إيران بتهريبها لـ “الحوثي” عبر خليج عدن، ووفق التقرير الدولي فإن “الأسلحة التي يعود مصدرها لتجارة السلاح بين إيران”.

الجدير ذكره، أن اليمن يمتلك شريطا ساحليا كبيرا على البحرين الأحمر والعربي والمحيط الهندي وخليج عدن، هذه السواحل العملاقة يصعب مراقبتها بشكل دقيق، ولذلك تصل الأسلحة بعدة طرق إلى البلاد، أغلبها عن طريق البحر، ثم برا إلى أيدي المشترين.

الاستقرار في ظل تأجيج الصراع

الصراع المستمر منذ ثماني سنوات في اليمن بين الحكومة المعترف بها دوليا، والمدعومة من تحالف عسكري تقوده السعودية، والمتمردين “الحوثيين” المدعومين من إيران، لكن الأخيرة ساهمت بأزمة إنسانية في البلاد هي من بين الأسوأ في العالم، بسبب انتشار الجوع والمرض والهجمات على المدنيين.

حدة التوترات خفت وتحسنت الظروف الإنسانية مع وقف إطلاق النار بوساطة الأمم المتحدة في عام 2022، لكن المقاتلين فشلوا في تجديد الاتفاق بعد ستة أشهر، ويرجع السبب لرفض جماعة “الحوثي” تجديد الهدنة، ما يشير إلى أن إيران من تقف وراء ذلك، بحسب حديث الدميني.

الصراع أدى إلى نزوح أكثر من أربعة ملايين شخص، وأدى إلى تفشي الكوليرا ونقص الأدوية والتهديدات بالمجاعة. التزمت الأطراف المتحاربة بوقف إطلاق النار لمدة ستة أشهر في عام 2022، مما رفع الآمال في التوصل إلى حل سياسي للصراع، لكن في تشرين الأول/أكتوبر الفائت، فشلوا في تمديد الهدنة.

مرحلة جديدة تتجه لها الحكومة اليمنية تخص التعامل مع “الحوثيين”، بناء على القرار الأخير الصادر عن “مجلس الدفاع الوطني اليمني” في 22 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، الذي صنّف جماعة “الحوثي”، “جماعة إرهابية”.

قرار “مجلس الدفاع الوطني اليمني”، جاء بعد استهداف “ميناء الضبة” لتصدير النفط في محافظة حضرموت شرقي اليمن من قِبل “الحوثيين”، وهو الاستهداف الذي لاقى تنديدا دوليا، وأدانه “مجلس الأمن”، خصوصا أنه جاء تنفيذا لتهديدات أطلقها قادة “حوثيون” خلال مشاورات الساعات الأخيرة لانتهاء الهدنة المُعلنة برعاية أممية مطلع الشهر المنصرم.

رئيس الحكومة، جدّد الدعوة للمجتمع الدولي إلى منع تدخلات إيران في شؤون اليمن الداخلية، وإلزامها بتطبيق القرارات الدولية بحظر منح “الحوثيين” السلاح، ودعمهم بالمال والإعلام، مؤكدا الحرص على التنسيق مع شركاء اليمن في مكافحة الإرهاب، لتنفيذ كل الإجراءات الرامية لحماية الملاحة الدولية.

في النهاية، فإن قرار “مجلس الدفاع الوطني”، بتصنيف الحوثيين على أنهم “جماعة إرهابية”، والإجراءات الحكومية الجديدة المتخذة، تدلّل على أن الحل السلمي بات ضعيفا، خصوصا مع رفض “الحوثيين” تمديد الهدنة، وبالتالي فإن التوجه سيكون نحو الحسم العسكري للأزمة اليمنية.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.